عوض الرجوب-الخليل

"منذ عشرين عاما وأنا أزور نعيم في السجون، لكن هذه المرة الوحيدة التي تمنيت لو أني مت أو مرضت ولم أزره" بهذه الكلمات بدأت والدة الأسير الفلسطيني المريض في السجون الإسرائيلية نعيم الشوامرة حديثها للجزيرة نت عن زيارتها أمس لابنها الذي اشتد عليه المرض وبات يهدد حياته.

وزاد قلق أم نعيم على ابنها منذ نحو شهرين حين أكدت تقارير طبية إسرائيلية إصابته بضمور في العضلات، وباتت الوالدة تنتظر بتلهف زيارته نصف الشهرية التي تنظمها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، لكن المفاجأة كانت مؤلمة هذه المرة أكثر من سابقاتها، وباتت تشعر بقلق حقيقي على حياته.

لم يكن الحكم بالسجن المؤبد لنعيم قبل نحو عقدين من الزمن عقوبة له وحده، بل حبس الاحتلال معه قلب والدته التي ترعرعت مع مسلسل من المعاناة ومع جرح متقادم بدأ بفقدان رب البيت تاركا أسرة من ثلاثة عشر شخصا، قبل أن يبلغ نعيم الـ14 من العمر، وحين شبّ وتزوج جاء الاحتلال ليختطفه تاركا طفلة وجنينا.

واليوم وقد تجولت السيدة الفلسطينية منذ اعتقال ابنها في مارس/آذار 1994 على مختلف السجون الإسرائيلية، لم تعد تعتبر نفسها أما لنعيم وحده، بل أما لجميع الأسرى تهاتفهم جميعا وتحدثهم وتطمئن عليهم من خلف الزجاج بواسطة سماعات تخصصها مصلحة السجون الإسرائيلية لهذا الغرض.

مشقة وإهانة
انتهى سفر والدة نعيم الذي بدأ مع الساعات الأولى لفجر أمس إلى تفتيش مهين ودقيق لجسدها، لكن المفاجأة الأكبر كانت بانتظار السيدة الثمانينية في سجن عسقلان، حيث صدمت وانهارت لدى رؤيتها لابنها الشاب (45 عاما) يتكئ على زميله ليصل مقعد الزيارة وقد أنهكه المرض وأبلى جسمه، حتى لم يتمكن من رفع سماعة الهاتف ليحدث والدته وزوجته، وإنما ساعده زميله في ذلك.

ومغالبة دموعها، تضيف الوالدة في خيمة التضامن مع ابنها المقامة أمام منزلها بقرية خلة العقد جنوب الخليل أن ابنها يتحدث بصوت خافت ولسان ثقيل، ولم يعد يتمكن من التحكم بحركة يديه أو تحريك أصابعه، ويعاني من اصفرار في الوجه واحمرار في الكفين واللسان واهتزاز في عضلات يديه.

ولم يتمالك الأسير نفسه كما عهدته والدته، بل ضعف هو الآخر وخرّ باكيا واجتمع عليه سوط السجان وألم المرض، وبكى من في قاعة الزيارة من معتقلين وذويهم.

وشكى نعيم خلال الزيارة لوالدته من قلة العلاج وعدم السماح له بالتوجه إلى المستشفى لإجراء فحوصات سوى مرة واحدة ربط فيها بالسرير في مستشفى سجن الرملة طوال فترة العلاج، لكنها تضيف أنه بدا مرتاحا من حجم التفاعل الجماهيري مع قضيته فأبلغ والدته "اليوم أشعر بالفعل أني أسير وصاحب قضية".

 نعيم الشوامرة يقبع في سجون الاحتلال منذ عام 1994 (الجزيرة)

بشائر وحذر
رغم ترقبها للإفراج عن دفعة من قدامى الأسرى الأسبوع القادم، وهي الثانية ضمن أربع دفعات تشمل 104 أسرى تعهدت إسرائيل بالإفراج عنهم قبيل استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، ورغم أن مسؤولين فلسطينيين بينهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس وكبير المفاوضين صائب عريقات وعدوها بالتحرك لتضمين ابنها ضمن الإفراجات، فإن أم نعيم لم تعد تثق بأي وعود وتتلقاها بحذر شديد، مفوضة أمرها لله وحده.

وتقول إنها كانت شاهدة على عدة إفراجات حررت مئات الأسرى منذ اعتقال ابنها، إما بالمفاوضات أو بالمبادرات أو بالصفقات، وبينهم شريكه في المقاومة وابن عمه الذي حرر في صفقة شاليط عام 2011، لكن ابنها ظل أسير القيد.

واليوم غاية ما تتمناه الأم المعذبة -وقد حرمت من مصافحة ابنها سوى مرة واحدة طوال فترة اعتقاله- أن تتمكن من احتضانه وأن تعيش معه حرا ولو لأيام قبل أن يسبق إليه الأجل المحتوم "أريد ابني حيا وحرا ولا أريده في كفن أبيض جسدا بلا روح كزملائه الذين سبقوه".

المصدر : الجزيرة