تحدثت دراسة قائمة على تجربة ميدانية من السجون التونسية عن وجود نقائص جوهرية لدى المواطن السجين تعيقه عن المساهمة في إنجاح النموذج المواطني للاجتماع، مما يجعل المواطنة مهددة لدى من ينزلون ذات يوم في السجن.

وقالت الدراسة التي كتبها الباحث الجامعي في الفكر السياسي سمير ساسي، مستندا إلى تجربة عقد من الزمن قضاه داخل السجون، إن نزيل الحق العام يعاني الاستلاب تجاه سلطة السجن، وهو بالتالي لا يحاول أن يقاوم.

واعتبر كاتب الدراسة الذي زار كل السجون التونسية إلا قليلا، حسب تعبيره، أن السجين يعتبر أنه لا جدوى من الرفض، وأن اليأس ذهب به إلى أن أصبح يختلق المبررات لحالة الاستكانة التي تعيشها، واعتبر ساسي أن تلك نتيجة حتمية لنمط من التربية تلقاه المواطن التونسي طيلة عقود من الزمن.

ونبهت الدراسة التي جاءت تحت عنوان المواطنة في مواجهة السجن.. تونس نموذجا إلى أن السمة الكبرى بالسجون هي وجود حالة من التفاوت بين نزلاء السجن في المستوى المعيشي، يدفعها حرص النزيل "المترف نسبيا" على الاستئثار بما عنده دون الآخرين من منطلق أنه ليس مسؤولا عن إعالة الآخرين.

كما أن هناك سمة ثانية لحياة السجن هي التمييز بين ما يسمى البلدي والآفاقي، وهي راجعة حسب الكاتب لثقافة لها جذورها بالمجتمع التونسي منذ القديم.

ولكن الذي ينبه إليه الكاتب هو أن سلطات السجن تستغل هذا التقسيم في العلاقات لتحافظ على الأمن والهدوء في السجن بدرجة أولى، ثم إنها تدعمه من خلال تدعيم هيمنة البلدي على كل الوظائف التي يسمح بها للسجين، كناظر الغرفة مثلا أو الناظر المساعد.

وعرج الكاتب على اهتمامات السجين، فرأى أن السجن يقتل الإبداع ويحول اهتمام السجين إلى مسائل تافهة كالغذاء اليومي بسبب حرمانه من الطعام الجيد الكافي.

وقال إن اهتمام السجين يكاد ينحصر في الطعام ومشاهدة التلفزيون بالإضافة إلى اجترار بعض الذكريات التي عاشها قبل السجن، وتكرار سردها إذا وجد من يستمع إليه.

وأشار ساسي إلى ما سماه القهر الذي يعاني منه السجين، وعزاه إلى التربية التي خضع لها أبناء تونس على يد دولة الاستقلال، خاصة عقلية التملك أو التبني التي كانت توجه الزعيم بورقيبة في سياسته ويعتبر بموجبها أن تونس ملك خاص له وأن الشعب أبناؤه.

ولفت الكاتب إلى تجربة الإسلاميين بالسجن، وقال إنها غيرت بعض العقليات والعادات بالسجون وقلصت من التمييز، خاصة أنها كرست نوعا من التضامن بين المساجين ونمطا من التكافل.

وختم ساسي دراسته بأن إدارة السجن في تونس رغم أنها تسمى إدارة السجون والإصلاح، فهي لا تمتلك الضمانات للقيام بذلك الإصلاح.

المصدر : الجزيرة