أحد ضحايا غارة جوية في أفغانستان (رويترز-أرشيف)

تامر أبو العينين-جنيف
 
مع حلول الذكرى الستين للتوقيع على اتفاقيات جنيف المعنية بحماية المدنيين أثناء الحروب، تبرز تساؤلات عدة بشأن فعاليات هذه الاتفاقيات في ظل ما يشهده العالم من نزاعات مسلحة معقدة راح ضحيتها آلاف الأشخاص.
 
ومع تأكيدات مسؤولين دوليين بأن قواعد القانون الدولي الإنساني ما زالت فاعلة وتكتسي أهمية يتفق خبراء القانون الدولي ونشطاء السلام والمنظمات غير الحكومية الدولية على فشل هذه الاتفاقيات في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة أو الواقعين تحت الاحتلال في أداء مهمتها.

فقد صرح رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر ياكوب كيلينبرغر في مؤتمر صحفي بجنيف أن العالم "يشهد انتهاكات مستمرة للقانون الدولي الإنساني ميدانيًا بشكل منتظَم، كالنزوح الجماعي للمدنيين وشن الهجمات العشوائية وسوء معاملة الأسرى". 
 
ياكوب كيلينبرغر قلق من تزايد انتهاكات اتفاقيات جنيف، لكنه يتشبث بها (الجزيرة نت)
وأضاف كيلينبرغر "لقد وضعت أهمية القانون الدولي الإنساني في السنوات الأخيرة موضع الشك في ظل نزاعات مسلحة معقدة وصعوبة التمييز بين المقاتلين والمدنيين، فضلاً عن ظواهر مثل الإرهاب والحروب غير المتكافئة".
 
واعتبر أنه "لو تم الالتزام بالقواعد الموجودة إلى حد أبعد، لكان من الممكن تجنب أغلب المعاناة التي تفرزها النزاعات المسلحة".
 
لكنه استطرد قائلا "بيد أن ثمة جوانب إيجابية وهي أن الكثير من هذه الانتهاكات لم يعد يُسمح بالتغاضي عنها، كما أن مساءلة المسؤولين عن أفعالهم زادت بشكل مضطرد. وهذا مؤشر على إحراز تقدم".
 
وأكد في الوقت نفسه على أنه "مما لا شك فيه أن قواعد القانون الدولي الإنساني القائمة ما زالت تكتسي أهمية، وأن تحقيق تحسين الامتثال للقانون مازال يشكل تحدياً رئيسيا".
 
مآس متكررة
ويرى مراقبون أن تصريح كالينبرغر -الذي يقف على رأس لجنة دولية تعرف الكثير من الحقائق- هو اعتراف ضمني غير مباشر بفشل القانون الإنساني الدولي واتفاقيات جنيف في حماية المدنيين تحت الاحتلال أو أثناء الحروب، حتى وإن حاول التخفيف من مرارة الواقع.
 
ويستشهدون على ذلك بقائمة طويلة من المآسي الإنسانية في الحروب التي مورست طيلة الستين عاما الماضية، في فيتنام ورواندا وأميركا اللاتينية وفلسطين والعراق وأفغانستان والبوسنة والهرسك والسودان والشيشان وكشمير، حيث كان الاعتداء على المدنيين في الكثير من الحالات يقع تحت بصر قوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة.
 
بل يذهب البعض إلى أن تلك الاتفاقيات سلاح سياسي يتم توظيفه وقت الحاجة، فإلى اليوم لم تتم محاسبة قوات الأمم المتحدة التي فشلت في حماية المدنيين في البوسنة والهرسك، ولا عن الفظائع التي ارتكبتها بحق النساء في بعض مناطق الصراعات، وما حدث للمدنيين في حرب غزة الأخيرة ويحدث في أفغانستان يوميا.
 
عوض شفيق يقترح تعديلات على اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني (الجزيرة نت)
مقترحات للإصلاح
 
إلا أن خبير القانون الدولي بجامعة جنيف الدكتور عوض شفيق يرى أن تصريح كيلينبرغر "لا يعني عدم جدوى القانون الإنساني الدولي أو اتفاقيات جنيف" لأن المشكلة تكمن في "عدم وجود عنصر إلزامي لقواعد المسؤولية المنصوص عليها في تلك الاتفاقيات".
 
ويرى شفيق أن هناك دورا هاما للمجتمع المدني لتفعيل التزامات الدول بمسؤولياتها تجاه المدنيين أثناء الحروب "إذ لا بد من مسائلة الدول المنتهكة لتلك الاتفاقيات والاقتصاص للضحايا".
 
ويؤكد خبير القانون الدولي على ضرورة اتخاذ ما وصفها "إجراءات تدبيرية" تنقسم إلى تدابير وقائية وأخرى رادعة لتنفيذ تلك الاتفاقيات.

وتتمثل "التدابير الوقائية" -حسب قوله- في واجب الدول في الامتثال للقانون الدولي الإنساني وتشمل نشر المعرفة به وتدريب الأشخاص لتسهيل تنفيذه وتعيين مستشارين قانونيين في القوات المسلحة وسن تشريعات تنظيمية تكفل مراعاة القانون الدولي الإنساني.
 
أما "التدابير الرادعة" فيؤكد أنها "تقع على عاتق أطراف النزاع في منع جميع الانتهاكات ووقفها" وتشمل آلياتها "التزام المحاكم الوطنية بعدم ممارسة الانتهاكات الخطيرة التي تعتبر جرائم حرب، وتفعيل المسؤولية الجنائية والتأديبية للرؤساء، وواجب القادة العسكريين في كشف الانتهاكات والإبلاغ عنها، والتعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية ذات الصلة".

المصدر : الجزيرة