لطفي حجي-تونس

طالبت منظمات حقوقية وأحزاب سياسية معارضة في تونس بالإفراج عن معتقلي قادة الاحتجاجات الاجتماعية التي جرت السنة الماضية بمدينة الرديف جنوب تونس للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والحد من البطالة.

وجاءت هذه المطالبات بعد إصدار محكمة الاستئناف بمدينة قفصة الجنوبية أول أمس أحكاما ضد القادة المذكورين بالسجن مددا تراوحت بين ثماني سنوات نافذة وسنتين مع إيقاف التنفيذ.

وأجمعت المنظمات والأحزاب ومن بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية لمقاومة التعذيب والحزب الديمقراطي التقدمي وحزب العمال الشيوعي التونسي، على أن الأحكام "جائرة"، معتبرة أن هيئة المحكمة "لم تحترم أدنى شروط المحاكمة العادلة".

"
حزب العمال الشيوعي اعتبر أن المحاكمة انقلبت إلى محاكمة للنظام الحاكم الذي وصفه بالبوليسي، وإلى جلسة لإدانة التعذيب الذي تعرض له المعتقلون
"
متهمون لا ذنب لهم
وأكدت منظمة "حرية وإنصاف" أن الأحكام صدرت ضد مواطنين "لا ذنب لهم إلا أنهم حاولوا تهدئة أجواء الاحتقان والتوسط بين السلطة والمحتجين"، وأن السلطة اعتقلتهم وقدمتهم للمحاكمة "من أجل أفعال لم يرتكبوها".

وقالت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إن عدة "خروق" شابت إجراءات المحاكمة، وذكرت منها بالخصوص "التعذيب" الذي قالت إن قاضي التحقيق عاينه.

واتهمت الرابطة السلطات التونسية "بتزوير المحاضر باعتماد تواريخ غير حقيقية للإيقاف"، مؤكدة أن المحكمة رفضت طلب هيئة الدفاع عرض المعتقلين على الفحص الطبي "للتأكد من آثار التعذيب البادية على أجسادهم"، إضافة إلى "خلو ملف القضية من أي دليل على ارتكاب المتهمين ما نسب إليهم من أفعال".

ومن جهتها رأت لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان التي تتخذ من باريس مقرا لها، أن المحاكمة "لم تكن محاكمة لمجرمين مفترضين مثلما تسعى لتقديمهم الحكومة التونسية"، بل كانت "محاكمة للتعذيب المنهجي الذي شمل جميع المعتقلين".

واعتبرت اللجنة التي حضر مندوب عنها جلسة المحكمة أن هذه المتابعة "محاكمة لإهمال السلطات جهة بأسرها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، في إشارة إلى الجهة التي تلقب بالحوض المنجمي في تونس والتي توجد بها مدينة الرديف وهي منطقة غنية بمناجم الفوسفات.

وقالت اللجنة -العضو بالشبكة الأوروبية لحقوق الإنسان- إن أطوار المحاكمة وأقوال المعتقلين "كانت شاهدة على تجريم السلطات التونسية للحقوق النقابية ولحرية الرأي والتعبير ولحق التضامن مع أهالي الرديف في معاناتهم".

"
المنظمات والأحزاب التونسية اعتبرت الأحكام جائرة، وقالت إن هيئة المحكمة لم تحترم أدنى شروط المحاكمة العادلة
"
اتهامات بالتعذيب
وأضافت اللجنة أن المنظمات الحقوقية الدولية التي حضرت المحاكمة، مثل الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان والممثلين عن النقابات العمالية الفرنسية والجزائرية وعمادة المحامين بفرنسا وحزب الخضر الفرنسي، كانت لها نفس الانطباعات حول هذه المحاكمة التي "افتقرت إلى أصول المحاكمة العادلة شأنها شأن العديد من المحاكمات الأخرى في تونس".

وطالبت الجمعية التونسية لمقاومة التعذيب في بيان تلقت الجزيرة نت نسخة منه، بفتح تحقيق في "التعذيب" الذي اشتكى منه المعتقلون، مبرزة أن العديد منهم ذكروا أسماء من وصفتهم "بالجلادين".

واعتبرت الجمعية رفض المحكمة الإذن بعرض المعتقلين على الفحص الطبّي وامتناع المدعي العام عن فتح تحقيق في الموضوع "حماية لمرتكبي التعذيب وخرقا لمقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة ضد التعذيب" التي صادقت عليها تونس عام 1988، داعية السلطات التونسية إلى "وضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب".

من جهته وصف حزب العمال الشيوعي التونسي الأحكام "بالجائرة" واعتبر أن المحاكمة انقلبت إلى محاكمة للنظام الحاكم الذي وصفه "بالبوليسي"، وإلى جلسة "لإدانة التعذيب الذي تعرض له المعتقلون، والرشوة المستشرية في الجهة والحيف الاجتماعي الذي تعاني منه".

وقال الحزب الديمقراطي التقدمي إن الأحكام شكلت "صدمة جديدة للرأي العام الذي كان يتطلع إلى إنصاف المتهمين، بعد ما شهدته المحاكمة الأولى من تجاوزات وهضم لحقوق المتهمين والدفاع وافتقادها لشروط المحاكمة العادلة".

وشدد على أن هذه الأحكام "لا يمكن إلا أن تزيد الوضع توترا واحتقانا"، وأنها "لا يمكن أن تحجب مسؤولية الحكومة عن فشل سياستها التنموية واختلال التوازن بين الجهات، ولا يعفيها من المساءلة عن أدائها في مواجهة هذه الأزمة".

وطالب الحزب بوضع حد لما وصفه "بالتعاطي الأمني" مع قضية الحوض المنجمي بمنطقة الرديف، ودعا إلى "فتح حوار وطني حقيقي حول ملفات التشغيل والتنمية والتوازن الجهوي".

المصدر : الجزيرة