أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ52 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر شوال الجاري بحسب التقويم الهجري، وهو وفاة الإمام العالم جعفر الصادق في المدينة المنورة عام 148 للهجرة.

يعتبر الصادق الذي يعود نسبه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من سادات أهل البيت، فهو أبو عبد الله جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.

أما نسبه لأمه فيرجع إلى الصديق أبي بكر رضي الله عنه، أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.

كان من كبار علماء المدينة المنورة، وأكثرهم تواضعا وتراحما وتلاحما مع الناس. تجلّت فيه صفات بيت النبوة بشكل فطري، فكان يصدق إذا تحدث، ويقدّم الناسَ على نفسه. وينقل الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء عن عمرو بن أبي المقدام قوله "كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد، علمت أنه من سلالة النبيين".

يعتبره الشيعة الإمامية سادس أئمتهم، إلا أنه كان عالما فقيها احتل مكانة رفيعة بين علماء المسلمين كافة، وكانت حلقته الفقهية في المدينة المنورة تجتذب علماء المسلمين من كافة المذاهب، ودرس فيها إمامان لمذهبين من مذاهب أهل السنة الأربعة هما: أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس.


شاهد فيديو الحلقة

وقد ساهمت المناظرات التي جرت في حلقة الصادق الفقهية في تأسيس المذاهب الإسلامية التي نعرفها اليوم، حيث اتسمت بالمناقشة المهنية وقرع الحجة بالحجة. وتميزت حلقات الدرس في تلك الفترة بأنها كانت تشهد نشاطات في علوم الدنيا والدين، فقد شهدت تلك الفترة من عمر الدولة الإسلامية نشاطا غير عادي في كافة العلوم، وتذكر المصادر أن حلقة جعفر الصادق شهدت نقاشات في علوم دنيوية مثل الكيمياء والفلسفة والفلك.

ومن العلماء العظام الذين التحقوا بمجلس جعفر الصادق: الكيميائي جابر بن حيان. ومن الوقائع التي تذكر في هذا السياق، أن أحد طلاب الفلسفة قال لجعفر الصادق في إحدى الدروس مشككا في الآية القرآنية: "إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا كلما نضِجتْ جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب إنَّ اللهَ كان عزيزًا حكيمًا" [النساء: 56]

قال طالب الفلسفة إن الجلود التي تلي الجلد الأصلي ليست هي الجلود ذاتها التي عصت، فكيف يصح اصطلاؤها بالنار؟ فأجاب جعفر الصادق بأنه لو أخذ طابوقة (اللَّبِنَة من الطين تستخدم في البناء) وصبّ عليها الماء ثم عجنها وقولبها مرة أخرى على شكل طابوقة، فهل هي نفس الطابوقة من حيث وحدة مادتها وهي غير تلك الطابوقة باعتبار شكلها الجديد.

 كان الصادق معتزا بعلمه الغزير، حريصا على أن تستفيد منه الأجيال اللاحقة، فكان يحث الناس على العلم والتعلم والاستفادة من العلماء بقوله "سلوني قبل أن تفقدوني، فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي".

من جهة أخرى، تمتع الصادق بحنكة وحكمة عاليتين، فقد عاش في فترة سياسية حرجة للغاية، وهي الفترة التي شهدت سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، وفي تلك الفترة استطاع أن يحافظ على مسافة كافية تفصله عن الحاكم، فرغم سعي الحكام في العهدين الأموي والعباسي إلى التقرب منه لعدة أسباب منها سياسية ومنها إنسانية، إلا أنه فضّل التفرغ للعلم، واستطاع البقاء بعيدا عن معترك السياسة.

المصدر : الجزيرة