أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ49 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر شوال الجاري حسب التقويم الهجري، وهو وفاة الكاتب والمفكر الإسلامي المصري خالد محمد خالد عام 1416 للهجرة (1996 للميلاد).

يعتبر هذا المفكر من الشخصيات الإسلامية التي تؤمن بإمكانية توافق المبادئ الإسلامية مع تطور العصر، من دون المساس بجوهر العقيدة. فقد آمن بالاندماج في أسلوب الحياة الحديثة، بدون أن ينسى المسلم زهوه وتمسكه واعتزازه بما جاء به رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم ومآثر ومبادئ صحابته الأجلاء رضوان عليهم جميعا.

نشأ نشأة إسلامية، بدأت من كتاب قرية العدوة في محافظة الشرقية حيث ولد، وبانت فطنته عندما حفظ القرآن في خمسة أشهر وهو لا يزال فتى صغيرا.

التحق بالأزهر، وتخرج في قسم الشريعة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وعمل في التدريس في بداية حياته.

تفتحت مداركه على التربية الدينية الصوفية، وكتب كثيرا في الإسلاميات مثل "خلفاء الرسول" و"رجال حول الرسول" الذي حقق رواجا وصدى واسعين، إلا أن الكاتب خالد محمد خالد كان مع ذلك مهتما ومنغمسا في الشأن السياسي، وكرّس الكثير من الوقت والجهد ليجتهد بما يراه مناسبا من وجهة نظره لإصلاح حال بلاده مصر.

اختلف خالد مع الإخوان المسلمين فكريا، لكنه رفض النيل منهم إرضاءا للنظام (الجزيرة)

زاوج في كتاباته بين الحداثة والإسلام، ورغم أنه كان على خلاف فكري مع جماعة الإخوان المسلمين، فإنه ارتبط بعلاقة صداقة وفكر مع العديد من رموز الجماعة مثل الأستاذ المرحوم فريد عبد الخالق.

من جهة أخرى، لاقت أفكاره قبولا واسعا بين أوساط التيار القومي داخل وخارج مصر لما تضمنته كتاباته من رؤى للساحة السياسية العربية والدولية في القرن العشرين من منظور عربي إسلامي، في وقت كانت لأفكار مفكرين غير عرب مثل مفكري الاتحاد السوفياتي الشيوعي والمهاتما غاندي وغيرهم سطوة وانتشار إعلامي قوي.

ومن أقواله التي تأتي في سياق السعي نحو التحديث قوله "إن الإسلام لم يأت ليعلمنا أخلاق الصوامع.. بل ليعلمنا أخلاق المدينة".

كان جمال عبد الناصر ورفاقه في الضباط الأحرار من المواظبين على متابعة كتابات خالد محمد خالد وأفكاره. واستمر هذا الحال حتى بعد قيام الثورة وتسلم الضباط الأحرار للسلطة وبعد أن تبوّأ عبد الناصر منصب الرئاسة.

ويذكر الكاتب في مذكراته أنه كان يرسل كل كتاب يصدره إلى عبد الناصر بالبريد المسجل، وعندما أراد محافظ القاهرة صلاح دسوقي إهداء كتابه "بين يدي عمر" إلى الرئيس، وجد على مكتب الأخير النسخة التي أرسلت بالبريد فقال له عبد الناصر إنه سيقرأ الكتاب مرتين.

ورغم ذلك فعندما سُئل الكاتب عن رأيه في القومية العربية أجاب: إني لا أعرف شيئًا عن القومية العربية، ولكني أعرف أشياء عن الوحدة الإسلامية.

أصدر كتابه الأول "من هنا نبدأ" عام 1950، وهو كتاب أحدث ضجة في الأوساط الإسلامية، لأنه تضمن أفكارا تدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وهو ما تسبب في تعميق الشرخ بينه وبين الإخوان المسلمين، كما دعا الأزهر إلى منع تداول الكتاب.

لكن تلقف الكتاب وترجمته إلى اللغات الأوروبية وتناوله في رسائل جامعية في العديد من الجامعات الغربية، واستخدام بعض المفكرين الغربيين لما في الكتاب حجة على عدم صلاح الشريعة الإسلامية للحكم، دعت الكاتب إلى مراجعة ما قاله. ويسجل له أنه وقف بعد أربعة عقود من صدور الكتاب واعترف بخطأ الأفكار التي وردت فيه.

عكف بعد ذلك على إثبات أن الإسلام دين ودولة وكتب في ذلك كتاب "الدولة في الإسلام" وجعل شعاره "الإسلام دين ودولة.. حق وقوة.. ثقافة وحضارة.. عبادة وسياسة".

كان خالد محمد خالد بمثابة البوتقة التي تنصهر فيها الأفكار المختلفة الديني وغير الديني والسياسي وغير السياسي والفني وغير الفني، ثم يعود ويخرجها بأسلوبه المميز وبالطريقة التي يرى فيها صلاح المجتمع الذي عاش فيه ومتطلباته واحتياجاته. ويمكن القول إنه كان شخصية متعددة المواهب الفكرية ولديه قدرة على واضحة على الإقناع.

كان عبد الناصر يقرأ لخالد محمد خالد بانتظام (الجزيرة)

وقد انعكس ذلك في الأوصاف التي أطلقها عليه المفكرون والأدباء العرب، فقد كتب الأديب والباحث الأردني شاكر النابلسي "دراسة في فكر خالد محمد خالد" وجعلها تحت عنوان "عزف لغوي"، بينما وصفه الصحفي المصري رجاء النقاش في مقال نشر بصحيفة الأهرام بأنه "موسيقار الأفكار".  

ساهمت مواقفه المتميزة خلال حياته في كسبه لاحترام الطبقات السياسية والفكرية في المجتمع، حيث كان له عدة مواقف تسجل له في حياته، فرغم الخلاف والنقد الذي وجهه إلى الإخوان المسلمين قبل ثورة يوليو، والحفاوة التي لقتها أفكاره لدى الضباط الأحرار الذين استطاعوا الوصول إلى السلطة، فإنه لم يسع لأي مكسب شخصي بل رفض دعوات إلى مناصب حكومية، ثم أخذ يطالب الحكام الجدد بتطبيق الديمقراطية.

وعندما دبّ الخلاف بين الإخوان المسلمين وجمال عبد الناصر، رفض النيل من رموز الإخوان عندما زجّ بهم في المعتقلات، وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا بأن لا نجهز على جريح.

عارض إجراءات الرئيس عبد الناصر ضد من سمو "بقايا الإقطاع" وصدور قانون "العزل السياسي"، وجاهر برأيه بالقول إن أولئك مصريون ويجب أن ينالوا "العدل السياسي" لا العزل. وبحسب وثائق جماعة الإخوان المسلمين، فإنه عند التصويت على قانون العزل السياسي في اللجنة التحضيرية، كانت يد خالد محمد خالد هي الوحيدة التي ارتفعت بالمعارضة في سماء القاعة التي ضمت يومئذ ثلاثمائة وستين عضوا.

عاصر ثلاثة رؤساء لمصر جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، ولم ينقطع في أي عهد من عهود الثلاثة عن المناداة بضرورة تطبيق الديمقراطية الحقة وحرية الصحافة وبناء المجتمع المدني الحديث.

وبعد مجيء عبد الناصر ورفاقه إلى الحكم كتب كتابا سماه "الديمقراطية أبدا" ويوحي العنوان بأنه رسالة تحث الحكام الجدد على بدء عصر جديد تكون فيه الديمقراطية نظاما دائما وثابتا. 

وبعيد تسلم حسني مبارك لرئاسة مصر دعا إلى مؤتمر حوار وطني وتجاهل خالد محمد خالد ولم يدعه إليه، فكتب الأخير كتابا سماه "لو شهدت حوارهم.. لقلت"، لخص فيه رؤيته للرؤساء الثلاثة عبد الناصر والسادات ومبارك بقوله إن مشكلتهم هي أنهم "يخافون من الحرية".

المصدر : الجزيرة