أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ47 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في شهر رمضان المبارك من عام 665 للهجرة، وهو مقتل الإمام الشيخ أبي شامة المقدسي في دمشق.

يعتبر الإمام أبو شامة من الأئمة المحدثين الذين كرسوا حياتهم لنافع الأعمال، والمتمعن في سيرة حياته يجده قد كرّس سنين كثيرة من عمره ليتعلم، ثم عاد ليعلم فجسد بذلك الحديث الشريف "خيركم من تعلم القرآن وعلّمه".

هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم محمَّد المقدسي الدمشقي الشافعي المقرئ النحوي الأصولي، وهو محدِّث وفقيه ومؤرخ. اشتهر باسم أبي شامة لوجود شامة على خده الأيسر. أصله من القدس، ولكنه ولد في دمشق وعاش ومات فيها.

مالت نفسه لذكر الله منذ نعومة أظفاره، وحفظ القرآن وهو ابن عشر سنين. تتلمذ على يد الشيخ أحمد بن كشاسب، وجاور العلماء مثل ابن عساكر وهو صبي، وكان يتأمل شيوخ المسلمين في دمشق ويحفظ طريقة تعاملهم مع المسائل العلمية ومع الفتاوى ومع حاجات الناس.

دخل في حلقة علم الدين السخاوي، ولم يلبث أن أتقن علوم القراءات الرئيسية وهو في السادسة عشرة من عمره.

سافر بعد ذلك إلى مصر حيث تتلمذ على الشيخ أبي القاسم عيسى بن عبد العزيز الذي درّسه الحديث، ودرس "الصحيح" على يد داود بن ملاعب وأحمد بن عبد الله العطار.

كان شافعي المذهب، وبعد دراسته في مصر التي أضافت إلى ما تعلمه في دمشق من قبل، صار يتقن علم الفقه وأصوله وبرع في علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، وبرع في نظم الشعر وإتقان بحوره وقوافيه.

أصبح في هذه المرحلة مؤهلا ليفيد بعلمه، فقام بالتدريس والإفتاء، وولي مشيخة الإقراء بالتربة الأشرفية، ومشيخة دار الحديث الأشرفية. ورغم فضائله الكثيرة وحسانته العديدة، فقد كان متواضعًا غير متكلف ولم يركب دابة إلا الحمار لينتقل بين الدوائر التي يذهب إليها وتجنب الأصائل من الخيل وحسان الإبل زهدا في الدنيا.

وقعت معركة الزلاقة في الأندلس عام 479 للهجرة 1086 للميلاد (الجزيرة)

ولعل من الأدلة التي تدل على ما بلغ من العلم حضور أعيان وعلماء ذلك الزمان لمجلس درسه، ومنهم قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان، حيث كان حريصا على نقل علومه إلى الأجيال التالية.

أُخِذت عليه شدة انتقاده وانتقاصه من بعض العلماء الذين اختلف معهم، ورغم أن هناك رأيا يقول إن قسوته في النقد التي قد تصل إلى حد التجريح تندرج تحت الذود عن علم الحديث، فإن طريقته في النقد الجارح ألبت عليه قلوب الكثيرين، وترجح المصادر أن مقتله كان نتيجة لذلك التوتر الذي ساد بينه وبين بعض من وجه إليهم النقد. 

قال عنه ابن كثير "وكان ذا فنونٍ كثيرة". أما المؤرخ والحافظ الذهبي فقال فيه "وكتب الكثير من العلوم وأتقن الفقه ودرس وأفتى وبرع في فن العربية".

كتب أبو شامة في تاريخ دولة صلاح الدين الأيوبي ونور الدين زنكي كتابا سماه "الروضتين في أخبار الدولتين: الصلاحية والنورية". كما كتب في تاريخ الأندلس وأسهب في ذكر معركة الزلاقة التي انتصر فيها المسلمون على الفرنجة وسالت بها دماء كثيرة حتى سمي السهل الذي وقعت عليه المعركة بسهل "الزلاقة" لكثرة الدماء وانزلاق الجنود عليها.

وكتب أيضا "ذيل الروضتين" ويعرف كذلك باسم "تراجم رجال القرنين السادس والسابع". اختصر كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر، وكتب هو أيضا كتابين في تاريخ دمشق أحدهما كبير في 15 جزءا، والثاني في خمسة أجزاء.

كان غزير الإنتاج وأرّخ الوضع السياسي في عصره بأسلوب علمي رشيق. وقد أوقفت كتبه ومصنفاته في الخزانة العادلية بدمشق، إلا أن حريقا أصابها وتلف جلّها.

المصدر : الجزيرة