ناسا تضع اسم البيروني على القمر
آخر تحديث: 2013/5/6 الساعة 16:45 (مكة المكرمة) الموافق 1434/6/26 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/5/6 الساعة 16:45 (مكة المكرمة) الموافق 1434/6/26 هـ

ناسا تضع اسم البيروني على القمر

أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ34 من سلسلة "بالهجري" حدثا وقع في مثل شهر جمادى الآخرة الجاري حسب التقويم الهجري، وهو إطلاق ناسا اسم العالم المسلم البيروني على فوهة من فوهات سطح القمر عام 1390للهجرة (1970 للميلاد)، تكريما لإسهاماته القيمة في علم الفلك. 

هو أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني، عالم مسلم برع في الفلك والرياضيات وعلم الأنساب وعلم الإنسان، وهو أيضا فيلسوف ومؤرخ وجغرافي.

ولد عام 362 للهجرة (973 للميلاد) في خوارزم بإقليم خراسان الذي يقع اليوم في جمهورية أوزبكستان. عاش البيروني في فترة سادت فيها حالة من عدم الاستقرار السياسي في مشرق العالم الإسلامي.

تتلمذ في صغره على يد الأمير منصور بن عراق الذي ينحدر من أسرة حاكمة في خوارزم، وكان عالما جليلا ينسب إليه اكتشاف علم المثلثات.

تعهد ابن عراق تلميذه البيروني وتلمس فيه الحصافة وحب العلم والجد في العمل، فكتب مؤلفات خصيصا له ليوسع مداركه وليقود مساره العلمي في الاتجاه الصحيح.

وبعد اضطراب الوضع السياسي في خوارزم ونشوب الحرب الأهلية فيها، رحل البيروني بحثا عن راع آخر لبحوثه العلمية، واستقر به المقام في بخارى في كنف الأسرة السامانية،التي حكمت شرقي بلاد فارس وأجزاء كبيرة من أفغانستان.

وبعد أن ساعد السامانيون قابوس بن وشكمير رابع ملوك الزيارين والملقب بشمس المعالي في استرجاع ملكه، طلب هذا الأخير -الذي كان أديبا وشاعرا بدوره-  من البيروني الانتقال إلى عاصمته جرجان التي تقع اليوم شمال إيران.

تمتع البيروني بدعم الزيارين، وقابل في جرجان الفيلسوف والطبيب الشهير ابن سينا، وتبادل معه الآراء والمراسلات في أمور الفلسفة، واتسمت تلك الرسائل بالمنافسة والندية حول الموضوعات التي لم يتفق عليها الرجلان اللذان يعتبران من كبار العلماء والباحثين في التاريخ الإسلامي.

قدم البيروني مفهوم دوران الأرض حول محورها وحدد خطوط الطول والعرض (غيتي)

شاهد فيديو الحلقة على يوتيوب

كتب البيروني خلال إقامته بجرجان كتابه "الآثار الباقية عن القرون الخالية" وأهداه لراعيه الأمير قابوس، إلا أن الأحوال لم تستب طويلا للبيروني وجرجان، فسرعان ما انقض عليها محمود بن سبكتكين الذي يعد والده مؤسس الدولة الغزنوية.

اتخذ محمود من غزنة عاصمة لملكه، وسيطر على الأراضي التي كانت تحت حكم السامانيين، وسرعان ما طالب البيروني وابن سينا بالالتحاق ببلاطه، لكن الأخير  تمكن من تجنب ذلك خلافا للبيروني.

ورغم مكوثه في غزنة مجبرا لا مخيَّرا، فإنه استغل وجوده هناك والدعم الذي توفر له في البحث والتأليف. ومن المفارقات أنه رافق ابن سبكتكين مرغما في غزواته لشمال الهند، إلا أن ذلك ساعده في تأليف واحدا من أثمن الكتب في علم الإنسان والذي يعتبر إلى اليوم مرجعا تاريخيا مهما عن الهند، وقد أسماه "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".

كتب البيروني 146 عملا، كل واحد منها يحتوي على 90 صفحة، ولكن لم يصل إلينا منها سوى 22 عملا. وتعتبر أعماله في مجال التاريخ وعلوم الإنسان مقارنة بما كتب في العصر، بأنها "أفضل وصف للحضارات التي عرفت في زمن البيروني" على حد وصف الموسوعة البريطانية.

وتصف الموسوعة عمل البيروني في شرح التقويم اليهودي على أنه "الأكثر غوصا في التفاصيل، بل ويتفوق على المصادر اليهودية نفسها التي كتبت في القرون الوسطى (بعد وفاة البيروني بقرون)، وأن عمل البيروني أكثر الأعمال في هذا المجال علمية ومنطقية".

وفي الفلك، أدرك البيروني العلاقة الوطيدة بين هذا العلم وعلم الحساب، وكان أول من تناول خطوط الطول والعرض وحدد أماكنها، وقدم مفهوم دوران الأرض حول محورها، ودرس الأوج الشمسي وحركته وعلاقته بالأرض. كما أدرك مفهوم الجاذبية، وربما كانت ملاحظاته من الملاحظات التي ألهمت العلامة إسحاق نيوتن في اكتشاف قانون الجاذبية.

فقد قال البيروني إن الأجسام تسقط على الأرض بسبب قوى الجذب المتمركزة فيها، ثم جاء نيوتن ليعطي لتلك الملاحظات مفهوما أوسع وأشمل بقوله إن كل جسم في الكون يؤثر بقوة جذب على جسم آخر، ومقدار تلك القوة تتناسب طرديا مع حاصل ضرب الكتلتين وعكسيا مع مربع المسافة بينهما.

وفي الجبر، أفاده معلمه الأول ابن عراق في الانطلاق في آفاق هذا العلم، وأضاف إلى علم معلمه في المثلثات وحل المعادلات من القوة الثالثة.  

أحب البيروني الطبيعة ودراسة النباتات وخصائصها وروائحها منذ صغره، فأطلقت والدته عليه كنيته الشائعة "أبا الريحان"، فتابع هو ذلك التوجه وكتب عن الصيدلة والأدوية واختتمها بكتاب كتبه في أواخر حياته وأسماه "الصيدلية في الطب".

كما درس المعادن والعناصر الكيميائية وعبّر في كتاباته في هذا المجال عن رأيه في أهمية الذهب كمعدن، وأنه يجب أن يكون عماد أي نظام اقتصادي وهو ما يعمل به اليوم، حيث يمثل احتياطي الذهب العنصر الرئيسي في قياس استقرار الاقتصاد لأي دولة وسعر صرف عملتها.

ورغم اهتمامه بالعلوم التطبيقية فإن البيروني كان له جانب أدبي أيضا، إذ كان يتحدث عدة لغات إلى جانب العربية، مثل الفارسية واليونانية والسنسكريتية، الأمر الذي ساعده في الاطلاع على الثقافات الأخرى وأهله للكتابة عنها وعن علومها ومعتقداتها. كما كتب شرحا لديوان الشاعر العباسي أبي تمام.   

تختلف المصادر التاريخية في أصل البيروني، فمنها من يقول إنه فارسي ومنها من يقول إنه من أحد الأقوام التي سكنت أوزبكستان منذ القدم وقبل وصول الإسلام إليها، إلا أن بعض المصادر تشير إلى أنه هو نفسه لم يعرف أصله، وأن هناك كتابات بخط يده يقول فيها إنه لم يعرف والده، وقد كتب هذا في سياق تعبيره عن احتقاره للتملق والمديح الفارغ حتى لو كان موجها له، في إشارة إلى أن المرء يجب أن يُحترم لعلمه لا لنسبه.

توفي البيروني في شهر رجب عام 440 للهجرة (1048 للميلاد) عندما كان في الـ 75 من عمره.

المصدر : الجزيرة

التعليقات

المزيد من بالهجري
قصة اعتماد التقويم الهجري
معركة الريدانية
إعدام صدام حسين