أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ36 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر رجب الجاري وفق التقويم الهجري، وهو اغتيال عالم الذرة المصري يحيى المشد بالعاصمة باريس عام 1400 للهجرة.

كان يحيى المشد واحدا من الكوادر العلمية المتقدمة التي كان الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر يسعى إلى تهيئتها للعمل في مشروع مصر النووي الذي بدأ العمل به عام 1373 للهجرة (1954 للميلاد).

تخرج في كلية الهندسة/قسم الكهرباء بجامعة الإسكندرية عام (1952 للميلاد)، وابتعثته الحكومة المصرية بعد أربع سنوات من تخرجه إلى بريطانيا للحصول على شهادة الدكتوراه، ولكن سفره صادف الوقت الذي وقع فيه العدوان الثلاثي على مصر الذي اشتركت فيه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

تسبب العدوان الثلاثي بتأزم وتوتر شديدين في العلاقات المصرية الغربية عموما وبين مصر والدول التي شاركت في العدوان خصوصا، ومن بينها بريطانيا. ونتيجة لتلك الظروف والأجواء المتوترة، انتقلت مصر تحت قيادة جمال عبد الناصر في تحالفاتها على كل الأصعدة إلى المعسكر الشرقي وأصبح الاتحاد السوفياتي آنذاك أقوى حلفاء مصر.  

ونتج عن تلك التبدلات في السياسة الخارجية المصرية تحويل بعثة المشد من بريطانيا إلى الاتحاد السوفياتي، حيث مكث ست سنوات عاد بعدها إلى مصر الدكتور يحيى المشد المتخصص في الهندسة النووية، وتسلم رئاسة قسم الهندسة النووية في جامعة الإسكندرية.   

كانت القيادة المصرية في تلك الحقبة تضع المشروعات الإستراتيجية ضمن أولى الأولويات، وكان الكثير من الكوادر المصرية في مختلف التخصصات يعملون في أكثر من جهة لتحقيق الأهداف الموضوعة، وكان المشد واحدا من تلك الكوادر، حيث استثمر علمه في البرنامج النووي المصري إلى جانب عمله الأكاديمي.

اتسم عمل المشد بالجدية والإتقان، وتمت ترقيته إلى رتبة "أستاذ" أي "بروفيسور" وأشرف على عدد كبير من الرسائل والبحوث الجامعية في مجال الهندسة النووية، وكتب هو شخصيا أكثر من 50 بحثا.

وبعد حرب الأيام الستة التي عرفت اصطلاحا بـ"النكسة" عام 1387 للهجرة (1967 للميلاد) جمد البرنامج النووي المصري، وتوقفت حركة البحث العلمي التي كانت بالنسبة للمشد رسالة حياة أكثر منها مجرد مهنة. وظل الحال على ذلك حتى وفاة الرئيس ناصر بعد النكسة بثلاث سنوات.

كان المشد عنصرا فعالا في المشروع النووي المصري ومن بعده العراقي  (الجزيرة)

تربع نائب الرئيس أنور السادات سدة الرئاسة في مصر، وظل المشروع النووي المصري مجمدا، وفي المرحلة التي تلت حرب رمضان عام 1393 للهجرة (1973 للميلاد) تحولت الطاقات المصرية إلى اتجاهات أخرى تختلف اختلافا جذريا عن مرحلة عبد الناصر، ولم يمض وقت طويل حتى اختار السادات طريق الهدنة مع إسرائيل، وانطلقت آلة الدبلوماسية الأميركية والإسرائيلية ومن خلفهما الغربية لتكريس هذا الاتجاه.

أطلق عراب الدبلوماسية الأميركية هنري كيسنجر نظريته القائلة "إن حرب أكتوبر هي آخر الحروب العربية الإسرائيلية" واستنفرت كل الجهود لترجمتها إلى واقع.

أصاب التوجه المصري الجديد الكثير من الكوادر المصرية بالإحباط، التي رأى العديد من رموزها أن خيار السادات كان يمكن تنفيذه من دون تحييد مصالح مصر الإستراتيجية، خاصة أن تلك المصالح كانت ذات أبعاد قومية تتعدى حدود مصر إلى جميع أرجاء الوطن العربي.

ولم تمض سوى سنين قليلة حتى جاءت بارقة الأمل من العراق هذه المرة، الذي وقع عام 1395 للهجرة (1975 للميلاد) معاهدة تعاون إستراتيجي مع فرنسا تضمنت مساعدة الأخيرة للعراق في بناء مفاعل نووي للأغراض السلمية.

كان العراق تحت قيادة الرئيس العراقي الراحل أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين قد قرّر الاستفادة من الارتفاع المتسارع في أسعار النفط، ووضع خطة تنمية شاملة عرفت في أدبيات السياسة العراقية باسم "خطة التنمية الانفجارية".

التحق المشد في أواخر سبعينيات القرن العشرين الميلادي بالمشروع النووي العراقي الذي رأى فيه نفس الحلم، وأمل العودة إلى البحث العلمي الذي أحبه وأتقنه، وسافر إلى العراق.

وبعد تفجير قلبي المفاعلين النوويين العراقيين "تموز 1" و "تموز 2" قبيل شحنهما من فرنسا إلى العراق، سارعت فرنسا إلى إرسال شحنات بديلة لم تكن بالمواصفات المطلوبة.

رفض المشد استلام شحنات اليورانيوم، وعندها أصر الفرنسيون على حضوره لتنسيق عملية الاستلام، وسافر بالفعل بتكليف رسمي إلى فرنسا برفقة عدد من زملائه العراقيين العاملين في المشروع النووي العراقي.

وأثناء وجوده بالعاصمة الفرنسية باريس، تعرض المشد لجريمة اغتيال مدبرة بشكل مهني.

ورغم أن البصمات تقود إلى الموساد الإسرائيلي، فإن الدول خاصة إسرائيل نادرا ما تعترف بعمليات الاغتيال السياسي والعلمي، لكن إسرائيل وضمن تكتيكات إستراتيجية مدروسة دائما تسرب عبر قنوات غير رسمية تأكيدات على ضلوع الموساد في عمليات اغتيال، سعيا منها لإيقاع الرهبة في نفوس العرب، وهو ما ينطبق على حالة المشد حيث تحدث إعلاميون وعسكريون إسرائيليون إلى وسائل إعلام عديدة قالوا فيها إن اغتيال المشد يأتي ضمن سعي إسرائيل المعلن لتدمير النووي العراقي.

وبعد حوالي عام على اغتيال المشد، قامت إسرائيل بغارة على المفاعل النووي العراقي أثناء انشغال الآلة العسكرية العراقية بكاملها في الحرب على الجبهة الشرقية مع إيران، ونتج عن الغارة تدمير المفاعل النووي العراقي بشكل شبه كامل، وردّ الرئيس العراقي حينها صدام حسين، بتحويل المشروع من مشروع مدني إلى مشروع عسكري يسعى إلى إنتاج أول قنبلة نووية عربية.

وبعد ذلك بعقد من الزمان، وبالتحديد في العام 1990 اجتاحت القوات العراقية الكويت، ونتج عن ذلك مواجهة بين العراق والدول الغربية، التي تمكنت من خلال الأمم المتحدة من فرض حصار أممي عليه واستصدار قرار بنزع أسلحته غير التقليدية.

وبناء على القرارات الأممية وئد المشروع النووي العراقي بعد عقدين من توقف توأمه المصري.

المصدر : الجزيرة