أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ35 من سلسلة بالهجري، حدثا وقع في مثل شهر رجب الجاري وفق التقويم الهجري، وهو وفاة الداعية والشيخ الجنوب أفريقي أحمد ديدات عام 1426 للهجرة.

لعل أهم ما يميز مسيرة الشيخ أحمد ديدات الدعوية، هو أنه رجل عصامي لم يتلق تعليما فقهيا ولم يلتحق بمدرسة أو جامعة أو مؤسسة دينية، ولا يحمل لقبا علميا مثل باقي علماء المسلمين.

غير أن هذا الشيخ تمتع بمؤهلات لا تقل أهمية عن الدراسة الدينية الأكاديمية وهي الإيمان المطلق، وإتقان اللغة العربية والإنجليزية بطلاقة، وسرعة البديهة وقابلية للحفظ لافتة للنظر. وقد مكنته هذه المؤهلات من السفر حول العالم وإجراء مناظرات مع العديد من المنصرين في العالم الغربي، استغلها للدفاع عن وجهة النظر الإسلامية في القضايا الخلافية، ونشر الوعي بالإسلام في العالم الغربي.

ولد ديدات في الهند عام 1336 للهجرة (1918 للميلاد) وهاجر والده إلى جنوب أفريقيا بعيد مولده. التحق هو والأسرة بوالده عندما كان في التاسعة من عمره، واستقر في مدينة دوربان الساحلية بجنوب أفريقيا.

التحق بالمدارس الإسلامية هناك، وتلقى التعليم الابتدائي. وفي مرحلة الصبا قرر ترك الدراسة ومساعدة والده. عمل موظفا بمؤسسات تجارية، وبدأ بالاحتكاك بأنواع مختلفة من البشر، ومنهم سياح، وغالبا كانوا غربيين، خاصة إذا علمنا أن نسبة كبيرة من أولئك السياح كانوا من جنوب أفريقيا نفسها، التي تضم نسبة لا بأس من الأوروبيين البيض الذين استوطنوها منذ أيام الاستعمار وأصبحوا مواطنين، وذهابهم إلى دوربان يعتبر سياحة داخلية. لذلك فقد كانوا يشكلون النسبة العظمى من السياح الذين تستقبلهم دوربان سنويا.

ورغم تطبيق البيض في جنوب أفريقيا نظام فصل عنصري أدانه العالم بأسره ودام حتى منتصف تسعينات القرن العشرين الميلادي، فإنهم -وكما قال ديدات بإحدى مناظراته- مسيحيون محافظون ولا يعترفون بتعاليم المذهب الكاثوليكي الذي يعتبرونه معيبا ويشوبه بعض التعاليم الدخيلة على الدين المسيحي من وجهة نظرهم.

شفرة قراءة وتواصل من غرفة الشيخ ديدات أثناء مرضه (الجزيرة)
شاهد فيديو الحلقة على يوتيوب

ويعتبر البيض في جنوب أفريقيا بعض طقوس الكاثوليك نوعا من الشرك ولديهم طقوس شبيهة بالطقوس الوثنية، إلا أن كل ذلك لا يمنع اختلافهم مع العقيدة الإسلامية بشأن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، الذي يعتبره القرآن الكريم رسولا من الرسل وليس "الرب".

بدأ الشاب ديدات -ونتيجة اختلاطه بالناس في عمله- بالانفتاح على ثقافات وآراء متنوعة، وصار يستمع إلى ملاحظات غريبة على ثقافته الإسلامية، بعضها كان يصدر عن جهل بالإسلام وبعضها كان يصدر عن قصد، إلا أن الشاب المسلم المتحمس لم يستطع أن يسكت طويلا على تعليقات مثل "الزعم أن الاسلام انتشر بالسيف" وغيرها من الآراء التي تنتقص من الإسلام، فانتفض للدفاع عن عقيدته.

فدرس الإنجيل بتمعن، وخبر تعاليم التوراة، وأطلع على التيارات العقائدية في المسيحية خصوصا والديانات الأخرى عموما، وانطلق يناظر ويحاجج ويناقش. طاف بلادا كثيرة وكرس ستة عقود من حياته من أجل الدفاع عن القرآن والدعوة للدين الإسلامي.  

أسس معهد السلام لتخريج الدعاة والمركز الدولي للدعوة الإسلامية بمدينة دوربان، والذي لا يزال مركزا نشطا في مجال الدعوة وحوار الأديان حتى بعد وفاة الشيخ.

ألف ديدات عشرات الكتب وطبعت منها ملايين النسخ ووزعت بالمجان في معظم الأحيان، كما كان كاتبا نشطا لا يتوقف عن الكتابة ومعالجة قضايا الساعة، وكان يطبع محاضراته ومقالاته وتوزع على شكل كتيبات بالمجان.

ونال الشيخ تكريم عدد من الدول العربية والإسلامية، ومنح جائزة الملك فيصل في مجال خدمة الإسلام عام 1406 للهجرة (1986 للميلاد) ومنح لقب "أستاذ" لعلمه الغزير ومنهجية تفكيره.

أصيب بعد عودته من رحلة دعوية إلى أستراليا عام 1417 للهجرة (1996 للميلاد) بسكتة دماغية سببت له شللا كاملا، واضطر لملازمة الفراش تسع سنين حتى وفاته.   

اتبع خلال مرضه طريقة ذكية للتواصل والقراءة، عن طريق شفرة باستخدام حركة الأجفان، وتمكن بواسطتها من التواصل والقراءة وحتى النقاش.

يحسب للشيخ أحمد ديدات إسلام الآلاف على يديه، وتأسيسه تيار دعوي متجذر في أرض بعيدة وفي مكان لا يتمتع بدعم لوجستي من كيانات إسلامية إقليمية، حيث إن الأديان السائدة في جنوب أفريقيا هي المسيحية وأديان ومعتقدات وثنية محلية.

توفي الشيخ ديدات في رجب عام 1426 للهجرة (2005 للميلاد).

المصدر : الجزيرة