أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ29 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر جمادى الأولى حسب التقويم الهجري، وهو انسحاب العثمانيين من بغداد ودخول الجيش البريطاني إلى المدينة في اليوم التالي عام 1335 للهجرة.

كان القرن الثامن عشر الميلادي قد شهد نموا ملحوظا للمصالح البريطانية في منطقة الخليج العربي والعراق، وظلت بريطانيا تحوم حول هذه المنطقة وتسجل حضورها بشكل أو بآخر، مستخدمة وجودها المترسخ آنذاك في الهند.

وفي السنين التي سبقت الحرب العالمية الأولى، أصبحت العلاقات الألمانية التركية وثيقة إلى درجة أقلقت البريطانيين على مصالحهم في المنطقة التي كان جلّها تحت الحكم العثماني التركي. ووصل القلق البريطاني إلى ذروته عندما منحت شركة ألمانية امتياز مد سكة حديد عبر أوروبا لتصل إلى بغداد عبر الأناضول في تركيا.

خاف البريطانيون من منافسة ألمانية في العراق الذي كان تحت الحكم العثماني، فقرروا التحرك من دون إبطاء، لهدفين: ضمان عدم تنامي المنافسة الألمانية للبريطانيين في العراق والمنطقة أولا، ومن ثم الخشية من تحريض الألمان للعثمانيين على القيام بعمل عسكري ضد المصالح البريطانية، خاصة بعد أن أعلنت الدولة العثمانية دخولها الحرب العالمية الأولى إلى جانب الألمان في أواخر العام 1332 للهجرة.

نزلت قوات بريطانية تتألف من جنود إنجليز ومرتزقة هنود حول الكويت شمال الخليج العربي، ودخلت البصرة أكبر مدن جنوب العراق في 4 محرم 1333 للهجرة (نوفمبر/تشرين الثاني 1914 للميلاد).

كان المخطط البريطاني هو الوصول إلى بغداد واحتلالها، وبدأت القوات البريطانية بالتحرك شمالا لهذا الغرض بعد تأمين البصرة. ولم يكن الطريق إلى بغداد سهلا، حيث اصطدم البريطانيون ومرتزقتهم الهنود بمقاومة عنيفة، وكان أقساها الهزيمة الماحقة التي لحقت بهم في كوت العمارة (الكوت حاليا)، الأمر الذي أجبر البريطانيين على وقف زحفهم نحو بغداد والرجوع خطوة إلى الوراء لتقييم الوضع.

الملك فيصل الأول ملك سوريا والعراق (الجزيرة)
شاهد فيديو الحلقة على يوتيوب

أدرك القادة الإنجليز للجيش الزاحف أنهم في أمسّ الحاجة للمدد الذي لا يمكن من دونه الاستمرار بالزحف نحو بغداد. مكثوا في مواضعهم حوالي العام يعيدون ترتيب صفوفهم، ويستقدمون المزيد من المرتزقة الهنود، كما خضعت القيادة إلى إعادة هيكلة واسعة، واستُقدم الجنرال ستانلي ليكون قائدا للجيش الزاحف. استأنف البريطانيون مسيرهم بعد عام من هزيمتهم في كوت العمارة.

اقترب الجيش البريطاني من بغداد، وعقد القادة العثمانيون وحلفاؤهم الألمان في بغداد محادثات مكثفة لتقييم الوضع، وانقسم الرأي بين جناح يرى ضرورة الصمود والقتال والاستفادة من دعم العشائر العراقية التي أبلت بلاءً حسنا في عرقلة الزحف البريطاني من البصرة إلى بغداد، وبين جناح يرى الانسحاب، وهو الجناح الذي مالت كفته في النهاية ودخل البريطانيون بغداد دون قتال.

وقف مود يخاطب أهل بغداد مدعيّا أن بلاده لم تأت لاحتلال العراق، بل لتحريره، وهي مقولة استذكرها الكثير من الكتاب والباحثين بعد تسعين سنة من نطق مود بها، عندما استخدم الرئيس الأميركي السابق جورج بوش نفس الكلمات لتجميل وتزويق غزو قوات بلاده للعراق عام 1424 للهجرة (2003 للميلاد).

أمضى العراقيون قرابة الثلاث سنوات في تقييم الوضع، خاصة وأنهم تُركوا بعد انسحاب العثمانيين من دون جيش منظم بالمعنى الحديث، وكان العامل الأهم في جمع كلمتهم ضد الاحتلال هو الرابط الديني والإنساني والعشائري بين أطيافهم، فبدأ الزعيم الكردي محمود الحفيد البرزنجي بافتعال الأزمات مع الإنجليز الذين حاولوا استمالته بإعطائه حكم السليمانية شمال البلاد، ولكنه رفض وطلب المزيد حتى سار الوضع بينه وبينهم إلى حد الصدام لا محالة، وكان ذلك الصدام أول مواجهات عسكرية حقيقية يخوضها الإنجليز منذ احتلالهم بغداد.

في ذلك الوقت، كانت سوريا تشهد فترة حرجة من تاريخها حيث تعرضت الحكومة التي شكلها الملك فيصل بن الحسين هناك إلى ضغط من الفرنسيين الذين احتلوا بلاد الشام بأكملها، وساد سوريا حراك سياسي وشعبي مفعم بمشاعر الاستقلال والتحرر، ويجمع المؤرخون على أن ذلك الحراك كان أحد الأسباب لانتقال الرغبة في المواجهة إلى العراق خاصة وأن البلدين كانا على الدوام يتمتعان بروابط وثيقة نظرا لتداخل الأنساب والعشائر بينهما، والأمر نفسه ينطبق على الأكراد في البلدين.

وبعد الشمال استعرت الثورة في منطقة الفرات الأوسط جنوب العراق، وسرعان ما انتشر لهيبها إلى كافة أنحاء البلاد، ونتج عنها مؤتمر بالقاهرة غيّر شكل الوجود البريطاني في العراق من استعمار مباشر إلى انتداب وإعلان الملكية في العراق، وتسمية فيصل الأول إبن الشريف الحسين بن علي مفجر ما يعرف بالثورة العربية، ملكا على العراق.

المصدر : الجزيرة