أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الـ58 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر ذي الحجة الجاري وفق التقويم الهجري، وهو معركة الريدانية قرب القاهرة عام 922 للهجرة والتي انتهت بنهايتها حقبة حكم المماليك، ودخلت البلاد عهد الدولة العثمانية الذي استمر 365 عاما.

تولى المماليك حكم مصر عام 648 للهجرة (1250 للميلاد) أي قبل اجتياح المغول لبغداد وانتهاء الخلافة العباسية بثماني سنوات، وتوطدت دعائم حكمهم بعد هزيمتهم للمغول في معركة عين جالوت في شمال فلسطين عام 658 للهجرة والتي أدت إلى وقف تقدم الجيش المغولي الذي كان ينظر له على أنه الجيش الذي لا يُقهر. كما يسجل لهم نجاحات عسكرية عديدة في مواجهة الزحف الصليبي في فلسطين وبلاد الشام.

تعززت مكانة مصر السياسية والاقتصادية في عهد المماليك وتمتعت البلاد باستقرار أمني افتقده مشرق ومغرب الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، حيث كان المشرق يرزح تحت تداعيات سقوط الخلافة العباسية، والمغرب في قتال مع الفرنجة الذين شنوا ما يعرف بحروب "الاسترداد" والتي هدفت إلى إنهاء الحكم الإسلامي في بلاد الأندلس. وأصبحت القاهرة خلال تلك الفترة مركز الأمة الإسلامية الثقافي بعد تدمير بغداد، وتدفق عليها العلماء والفقهاء طلبا للأمان والرعاية.

وتعود أصول المماليك بشكل رئيسي إلى منطقة القوقاز، وهم عسكر محترفون ويسجل لهم أنهم لم يحاولوا جعل اللغة العربية في مصر والبلاد التي خضعت لهم لغة ثانية، وتدل الوثائق التي تعود إلى عهدهم أن العربية كانت اللغة الرسمية للدولة والأدب والعلم.

تلقى حكمهم -الذي دام 265 سنة حكم فيها 45 سلطانا مملوكيا- أول ضربة بمرض الطاعون الذي ضرب مصر منتصف القرن الـ14 الميلادي والذي أهلك خلقا كثيرا وأثر بشكل كبير في انخفاض حجم الأيدي العاملة بمصر. من جهة أخرى، خسر المماليك سوريا بعد ذلك بنصف قرن، بعد أن تمكن تيمور لنك من احتلالها، وترافق ذلك بصعود قوة البرتغال كقوة استعمارية دولية وإزاحتها للماليك في أعالي البحار وسيطرتها على الممرات البحرية الرئيسية في العالم.

حشد سليم الأول نصف مليون مقاتل لمحاربة المماليك وضم مصر للدولة العثمانية (الأوروبية)

ونتيجة لتلك العوامل ساد في أوساط الجيش المملوكي نوع من الفوضى مما أدى إلى عدم قدرة السلاطين على السيطرة على الجيش بشكل سليم، كما أثر ذلك سلبا في تحديث أسلحة ومعدات الجيش المملوكي، خاصة وأن القوة العسكرية وليس التوريث هي العامل الأساس في قوة أي سلطان مملوكي نظرا لخلفية هذه السلالة العسكرية.

وبعد عقدين من الوضع العسكري غير المستقر لم يتمكن السلطان المملوكي طومان باي من حشد سوى ربع مليون مقاتل لمواجهة الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول الذي قدم إلى مصر بنصف مليون مقاتل أي ضعف عدد الجيش المملوكي.

كان سليم الأول قد تغلب على الجيش المملوكي في بلاد الشام مستخدما التكتيكات العسكرية الحديثة في ذلك الوقت والخبرة التي اكتسبها جيشه من الاحتكاك مع أوروبا، فحاول طومان باي تطبيق نفس الفلسفة للدفاع عن القاهرة، إلا أن استخبارات العثمانيين نقلت المعلومات إليهم، ورسم سليم الأول خطة عسكرية مضادة تقضي بالالتفاف حول جبل المقطم قرب القاهرة ومهاجمة الجيش المملوكي من الخلف.

كانت معركة الريدانية نقطة تحول هامة في تاريخ مصر، حيث انتهى استقلال البلاد وعادت مرة أخرى لتصبح إحدى ولايات إمبراطورية تمتد أراضيها في شرق الأرض وغربها.

ورغم استبسال الجيش المملوكي بالمعركة، فإن اعتماد العثمانيين على الأسلحة النارية بدل الفرسان والسيوف واستخدامهم مدافع خفيفة الحركة وسهلة التموضع أدى إلى سيطرتهم على مجريات المعركة على الأرض، وتحييد سلاح المدفعية المملوكي الذي اعتمد على مدافع ثقيلة غير قابلة للحركة والمناورة.

أسر طومان باي وجيء به في اليوم التالي مكبلا فوق حصانه ونفذ فيه إعدام علني بمنطقة باب زويلة بالقاهرة على مرأى ومسمع من الناس.

عمل العثمانيون مباشرة على استعادة مصر لمكانتها التجارية والسياسية بالمنطقة إدراكا منهم لأهميتها الإستراتيجية، ولم يستأصلوا المماليك من الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية، حيث ظلوا يتمتعون بنفوذ لا بأس به.

ومن المهن التي سيطر المماليك عليها بالعهد العثماني وظيفة "الكاشف" أي جابي الضرائب. وعلى الصعيد العسكري، كان الجيش بمصر يتألف من سبع وحدات، أربع ترسل من العاصمة العثمانية الآستانة (إسطنبول) وثلاث وحدات محلية إحداها من المماليك.

استمر حكم العثمانيين 365 عاما، انتهت باحتلال بريطانيا لمصر عام 1299 للهجرة الموافق لعام 1882 للميلاد.

المصدر : الجزيرة