أحمد الجنابي

تتناول الحلقة 15 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر صفر الجاري وفق التقويم الهجري، وهو ولادة الشخصية الكاريكاتيرية حنظلة، بريشة الفنان الفلسطيني الراحل ناجي العلي، والتي اكتسبت شهرة واسعة في العالم العربي، وأصبحت تمثل أسمى قيم النضال والتحرر ورفض الظلم والجوْر.

أما عن مخترعها العلي، فيمكن القول عنه بأنه كان "ابن الشارع" بالمعنى الإيجابي للمصطلح، حيث من اللافت في سيرته أنه يحظى باحترام وتقدير جل الشارع العربي على اختلاف ألوانه، وكان لا يخفي انحيازه للشارع والناس البسطاء في كل مكان. كان مثالا للفنان الملتزم، سخّر نفسه لقضايا شعبه وأمته، ومضى يجاهر بما يراه صحيحا لا يلوي على شئ ولا يخاف لومة لائم، حتى دفع حياته ثمنا لإيمانه بقضيته. 

قال العلي في وصف نفسه وعلاقته بالناس "أنا متهم بالانحياز، وهذه تهمة لا أنفيها. أنا أصلا غير محايد. أنا منحاز للناس. الناس الذين يرزحون تحت الأكاذيب (..) وحجار السجون والمعتقلات. أنا منحاز للذين في مصر ينامون بين القبور، والذين يقضون الليل في بيروت يشحذون السلاح".

امتلك العلي أسلوبا متميزا في التعبير عن وجهة نظره بواسطة الكاريكاتير الذي برع باستخدامه، وتابعه جمهور عريض في كافة أرجاء الوطن العربي، ولم تخفت شعبية أعماله ولم تغب عن الوعي العربي رغم مرور أكثر من نصف قرن على اغتياله غدرا. كانت رسومه تحتوي على نقد لاذع، وتجسد مقولة "الضاحك الباكي". 

رسم العلي الكاريكاتير المعبّر في سجنه وعلى قماش الخيمة التي سكن بها في مخيمات اللاجئين وعلى الجدران في الشوارع. لم يكن يترك فرصة تفوته ليعبر عن رأيه أو إثارة قضية مصيرية يراها لا تأخذ الاهتمام الكافي، وكان يستخدم حنظلة في رسوم لها وقع السيف على الجميع.

كان قوميا عروبيا، يقول عنه طلال سلمان صاحب صحيفة السفير اللبنانية التي عمل بها ردحا من الزمن "إن القومية (العربية) كانت وطنه".

اتجه إلى النقد الذاتي في محاولة للوصول إلى التعلم من الأخطاء كطريق للنجاح، وكان يرى أن العدو لا يلام على الانتصار ولكن على العرب أن يلوموا أنفسهم على الهزيمة، وان يبحثوا عن اسبابها في داخلهم.

يقول عنه الرسام المصري محيي الدين لباد "لقد بدأ شيئا لم يكن موجودا (في عالم الكاريكاتير). لقد اختار أن يؤلم نفسه ويؤلمنا معه (..) ويبدو أننا كعرب كنّا بحاجة إلى ذلك".

كان جريئا في انتقاده لما يراه تقصيرا من القادة إلى درجة أقلقت عائلته وأصدقاءه. تقول أرملته السيدة وداد في لقاء سابق لها مع قناة الجزيرة "قلت له إن هذه الرسوم ستقتلك. خفف من حدتك قليلا" وقد استلم تهديدات هاتفية بالفعل. ورغم ذلك يقول من عرفه إنه رفض رفضا قاطعا تعيين أي حراسات لمنزله أو له شخصيا.

ويُجمع زملاؤه ومعارفه على أنه لم يحاول أن يتربح من رسوماته أو يكوّن ثروة منها رغم أنه بلغ من المجد ما بلغ، وكان لا يسعى سوى إلى ما يكفيه لتوفير حياة كريمة له وأسرته.

وبعد مرور خمسة وعشرين عاما على مقتله فإن عائلته وأصدقاءه والشارع العربي لا يزال يبحث عن جواب قاطع حول هوية الجهة التي تقف خلف اغتيال العلي. ورغم إدانة أشخاص اعترفوا أمام المحاكم البريطانية بأنهم دبروا اغتيال العلي بتكليف من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (موساد) فإن هناك من ظل يثير احتمال تورط منظمة التحرير الفلسطينية، ولكن بدون تقديم أدلة ملموسة ذات معايير ترقى الى أن تعتبر أدلة جنائية. وغالبا ما يتم الاستناد في هذا الشأن إلى افتراض انزعاج المنظمة من رسوم كاريكاتيرية معينة لناجي العلي انتقدها فيها بشدة،.

اغتيل العلي في العاصمة البريطانية لندن عام 1408 للهجرة (1987 ميلادي) وهو في طريقه لمكتب جريدة القبس الكويتية التي كان يعمل بها لتسليم رسومات الكاريكاتير التي كانت ستنشر في الصحيفة.

المصدر : الجزيرة