تتناول الحلقة 17 من سلسلة بالهجري حدثا وقع في مثل شهر صفر الجاري حسب التقويم الهجري، وهو وفاة الفيلسوف العربي الأندلسي ابن رشد في صفر من عام 595 للهجرة.

كان ابن رشد على اتصال وثيق بالفيلسوف والأديب ابن طفيل، وهو الذي قدمه إلى الخليفة الموحدي أبو يعقوب المنصور في مراكش. وكان المنصور مثقفا وملما بالفلسفة، وغمر ابن رشد بعنايته وفرغه لدراسة وترجمة الفلسفة الإغريقية.

عكف ابن رشد على بحث الفلسفة اليونانية وتعمق في محاولات لربط الفلسفة بالدين الإسلامي وإثبات أن الاثنين لا يتعارضان، وكتب في ذلك بحوثا كان لها شأنها في دوائر العلم والفلسفة آنذاك، وقد ركز أبحاثة على الفيلسوفين الإغريقيين أرسطو وأفلاطون. ومن كتاباته في هذا المجال "فصل المناهج" و"كشف المناهج" و"وتهافت التهافت"، وقد أعطى في تلك الكتابات آراء مثيرة للجدل وخالف فيها فلاسفة وعلماء كبارا سبقوه مثل الفارابي وابن سينا.

لم ترق كتابات وأفكار ابن رشد لكثير من رجال الدين المسلمين والمسيحيين على حد سواء. فتآلب عليه الرافضون لفلسفته، وتمكنوا من تقديمه للمحاكمة، وأدين في مراكش بالزندقة ونفي إلى الأندلس وأحرقت كتبه، وأكثر ما نملك منها اليوم هي الترجمات إلى لغات أخرى، أما النسخ العربية الأصلية فقد التهمتها النيران.

وترى جماعة من الباحثين أن مناوئي ابن رشد تمكنوا من محاكمته لأن الوضع السياسي في تلك الفترة كان يحتم على الموحدين عدم إثارة أي انقسامات قد يكون لها أثرها على الوحدة الداخلية، ودليلهم في ذلك أن ابن رشد استدعي في مرحلة لاحقة من منفاه الأندلسي إلى بلاط الموحدين في مراكش، وأكرم وقُرِّب ثانية بعد استتباب الأوضاع السياسية.

لم يقتصر علم ابن رشد على الفلسفة، فقد كان فلكيا وطبيبا وله خلفية واسعة في علوم الدين، الأمر الذي أهله لشغل منصب القضاء في إشبيلية وقرطبة.

استخدم ابن رشد شغفه بالفلك في تدعيم نظرياته الفلسفية حول الكون. اكتشف نجما لم يكتشف من قبل، وقدم تفسيرا وتصورا فلسفيا للكون نسف نظريات الفيلسوف الإغريقي بطليموس من أساسها وسميت نظريته باسم "اتحاد الكون النموذجي"، كما قدم للعالم أول التلميحات عن البقع الشمسية.

المصدر : الجزيرة