أحمد الجنابي

تتناول الحلقة السابعة من سلسلة بالهجري حدثا من أحداث شهر المحرم الجاري حسب التقويم الهجري، وهو وفاة الشيخ سعد الدين مسعود التفتازاني في المحرم من عام 793 للهجرة.

تميز الشيخ سعد الدين مسعود التفتازاني بغزارة الإنتاج والإتقان. ولم يكتف الشيخ بما حوله من مراجع وعلم، بل طاف البلاد طلبا للعلم. وتُبيّن أعماله أنه عمل على التأليف والبحث في أماكن بعيدة عن موطنه تفتازان في خراسان.

وتبيّن كتبه أنه أتم كتاب "المختصر" في هراة بأفغانستان وكتاب "المعاني" في غجدوان بأوزبكستان وكتاب "التلويح" في كلستان بإيران. كما تشير كتب أخرى إلى أنه عمل في خوارزم وسمرقند وأماكن أخرى كثيرة.

تعمّق في الكتابة في فقه المذاهب، وصنّف الباحثون من بعده كتبَه على أنها تنتمي إلى هذا المذهب أو ذاك، إذ صنفه الكفوي وحسن جلي على أنه شافعي، في حين صنّفه ابن نجيم وعلي بن سلطان محمد القارئ على أنه حنفي.

تواصل عن قرب مع السيد شريف الجرجاني، تبادل معه الآراء، لكن خلافا عميقا نشب بين الاثنين في مراحل لاحقة من حياتهما، وانتقد الجرجاني الكثير من آراء صاحبه القديم التفتازاني.

ومن أكثر الدلالات على حرص ورغبة الشيخ التفتازاني في تحصيل العلم أنه أتم أول كتبه "التصريف العزي" وهو ما زال فتى في السادسة عشرة. ولا يزال هذا الكتاب متداولا في الهند، ويعرف بكتاب "السعدية" نسبة إلى اسم التفتازاني الأول: سعد الدين.

وهذا الكتاب يشرح كتاب الزنجاني في علم الصرف في اللغة العربية، وتوجد اليوم مخطوطة من الكتاب في متحف برلين، وطبع في الأستانة (إسطنبول) عام 1253 للهجرة، وفي طهران عام 1270 للهجرة، وفي بومباي عام 1292 للهجرة، وفي القاهرة عام 1307 للهجرة.

كتب التفتازاني في الفقه والتفسير، وتبحر في أصول الشافعية وكتب فيها مؤلفه "المفتاح"، كما بحث وفسّر الفتاوى الحنفية.

وفي علم البلاغة كتب ثلاثة كتب هي "المطول" و"مختصر المعاني" و"شرح القسم الثالث من المفتاح"، الذي ذاع صيته ومثّل إضافة علمية، وتوجد مخطوطاته اليوم بكلية ترنتي بمنطقة كامبرج ببريطانيا.

أما في المنطق، فقد كتب تفسيرا لكتاب "شرح الرسالة الشمسية" الذي ألّفه نجم الدين بن عمر القزويني المعروف بـ"الكاتي"، وهو محفوظ أيضا في متحف برلين، وتناول فيه شرح العقائد النسفية نسبة إلى عمر بن محمد بن إسماعيل الحنفي النسفي الملقب بـ"مفتي الثقلين". 

وكتابه الثاني في المنطق وعلم الكلام هو "تهذيب المنطق والكلام" الذي أقبل عليه الدارسون إقبالا كبيرا، وطبع مرات ومرات في بلدان مختلفة.  

كما تطرق الشيخ التفتازاني إلى ما وراء الطبيعة، وهو أمر لم يقبل عليه الكثير من الباحثين، وكتب في هذا المجال كتاب "المقاصد" وأتمه في سمرقند عام 784 للهجرة.

توفي التفتازاني في سمرقند عام 793 للهجرة (الجزيرة)

وفي الأصول، كتب كتاب "التلويح إلى كشف حقائق التنقيح"، وهو شرح لكتاب "تنقيح الأصول" لصدر الشريعة الصغير عبيد الله بن مسعود المحبوبي.

ولم تقتصر مؤلفات الشيخ التفتازاني على اللغة العربية، فقد كان ملما باللغة الفارسية، واستغل ذلك في وضع تفسير للقرآن الكريم سماه "كشف الأسرار وعدة الأبرار"، وتوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة يكي جامع بإسطنبول.

وفي فقه اللغة كتب كتاب "النعم السوابغ في شرح الكلم النوابغ"، وهو شرح لكتاب "الكلم النوابغ" للزمخشري.

كتب كتاب "الإرشاد" وأهداه لابنه وتضمن عبرًا ومواعظ من الدين الإسلامي، وشرحه بعده كثيرون، ويحتفظ متحف برلين بشرح الجرجاني لهذا الكتاب، كما يحتفظ متحف الإسكوريال بإسبانيا بمخطوطة شرح الجرجاني لكتاب "الإرشاد".

اهتمت سلالات المغول الحاكمة بعلم التفتازاني وقرّبته، وحرص تيمورلنك على التقرب إليه، واستدعاه إلى سمرقند. ويعتقد أن الشيخ التفتازاني خاف أن يشغله قربه من بلاط الحاكم عن البحث والتأليف، فاعتذر عن دعوة تيمورلنك، ولكنه تنازل أمام إصرار هذا الأخير.

أكرمه تيمورلنك وأنزله منزلة حسنة، وبقي في سمرقند عاصمة تيمورلنك حتى وفاته في 22 المحرم من عام 791 للهجرة.

المصدر : الجزيرة