أحمد الجنابي
تتناول الحلقة 12 من سلسلة بالهجري حدثا تاريخيا وقع في مثل شهر صَفَر الجاري حسب التقويم الهجري، وهو تولي عمر بن العزيز الخلافة عام 99 للهجرة ليصبح ثامن خلفاء الدولة الأموية.

عرف عن هذا الخليفة حسه العالي بالمسؤولية وإنكار الذات والتزامه الدقيق بتعاليم الدين الحنيف وتطبيقها بشكل يرضي الله وعباده. أبهر من عاصره بحكمته وذكائه وعدله ودماثة خلقه ورأفته بالناس، فاستحق لقب خامس الخلفاء الراشدين.
 
ترترع عمر في دمشق عاصمة الأمويين وكان ورعا منذ صغره. بكى يوم أتم القرآن وهو غلام صغير. سألته أمه عن سبب بكاءه فقال: ذكرت الموت، فسالت دموعها شفقة ورحمة وفرحا بهذا الإبن التقي.
 
عيّن والده واليا على مصر عندما كان عمر فتى لما يبلغ بعد، وأراد أبوه أن يأخذه معه، ولكنه طلب من والده أن يسمح له بالذهاب الى المدينة بدلا من ذلك ليتفقه على أيدي علماءها، وكان له ما أراد.

عُرف بالمدينة بأدبه وعقله وحبه للعلم رغم حداثة سنه. ونظرا لمعرفته بالمدينة وأهلها وغزارة علمه وصفاته الحميدة، فقد اختاره الخليفة الوليد بن عبد الملك عام 86 للهجرة واليا على المدينة والطائف.  

قال عن علمه المؤرخون "كانت العلماء مع عمر بن العزيز تلامذة".

أبلى ابن العزيز بلاءا حسنا في إدارة أمور الولاية، وسعد الناس به وتجلت لديه صفات القائد المثالي الذي يستطيع تسيير أمور الحكم بالصبر والصدق والحزم والعدل. سعدت المدينة به وكان قرة عين أهلها.

اتخذ له هيئة استشارية تتألف من عشرة أشخاص من أخيار المدينة وفضلائها، وقال لهم عند وصوله المدينة أنه سيستشيرهم في أمور الحكم قبل أن يتخذ أي قرار.

قضى بين الناس بالعدل، والتزم بسنة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. قيل عنه أن صلاته كانت أكثر صلاة الناس شبها بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
قال عنه زيد بن أسلم "كان عمر (بن عبد العزيز) يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود.
 
كان عمر بن العزيز مثله مثل أي تقي ورع يخاف من الملك ويرى فيه مسئولية قد توقعه في المعاصي، وعرف الخليفة سليمان بن عبد الملك ذلك، ولكنه كان يرى فيه أكثر الناس جدارة بحفظ الأمانة، فاختاره لولاية العهد بدون أن يستشيره أو يعلمه.
 
وبعد وفاة سليمان حاول التنازل عن الخلافة وخطب الناس في المسجد الأموي الكبير بدمشق فقال: أيها الناس، إني قد ابتليت بهذا الأمر على غير رأي مني فيه ولا طلب له (...) ولا مشورة من المسلمين، وإني خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم خليفة ترضونه.

تزوج عمر بن العزيز من فاطمة بنت الخليفة عبد الملك بن مروان (الجزيرة)
رفضت الجموع تنحيته عن الخلافة وتمسكت به خليفة وقائدا، فلم يكن منه إلا أن قال لهم بأن عليهم طاعته كولي أمرهم طالما هو في طاعة الله، وإن لم يطع الله يوما فلا طاعة له عليهم.  

لم يدم عهده طويلا، فقد توفي بعد سنتين وثمانية اشهر من توليه الخلافة، وهناك رأي يقول بأن الأمراء الذين استاءوا من حرصه على أموال المسلمين وانخفاض عطاياهم في عهده قد دسوا له السم.
 
عم الخير بلاد المسلمين في عهده، وأمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.

كان خيِّرا ومدركا بأن المال لله وأن الإنسان خليفة الله على الأرض، فكثر مال الدولة في عهده فصار ينفقه في ما يرضي الله ورسوله، فأعان المعسر وأغاث الملهوف والغريب والمسافر ولم يستثن من ذلك حتى أهل الكتاب ما داموا في رعيته فأمر بتسديد من ديونهم من فائض بيت المال.

وبعد أن عم الخير والرخاء جميع أرجاء بلاد المسلمين، قيل أن الفائض في بيت المال لم ينضب فأمر بشراء الحبوب ونثرها في البراري لتأكل الطير "من خير المسلمين".

قيل عنه أنه ضعف وهزل بعد أن تولى الخلافة، وخشنت ثيابه رغم أنه كان رجلا صحيحا وناعم الملبس قبل ذلك، حتى أنه اشتهى في يوم من الأيام تفاحا فأهدى إليه أحد أقاربه تفاحا فشمه وتغنى بطيب رائحته وأمر بإرجاعه، وعندما سأل عن سبب ذلك وإن الرسول قد قبل الهدية، قال: إن الهدية كانت للنبي وهي لنا اليوم رشوة.

المصدر : الجزيرة