أحمد الجنابي

تتناول هذه الحلقة من برنامج بالهجري حدثا من أحداث شهر المحرم حسب التقويم الهجري، وهو وفاة العالم اللغوي والفقيه ابن منظور صاحب المعجم الخالد "لسان العرب".

هو محمد بن جلال الدين بن مكرم بن نجيب الدين الرويفعي الأنصاري، ويعود نسبه إلى الصحابي رويفع بن ثابت الأنصاري الذي شهد معركة خيبر مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعيّنه معاوية بن أبي سفيان واليا على طرابلس سنة 46 للهجرة، إلا أن جلَّ من ترجموا لابن منظور قد توقفوا عند جده السابع منظور وإليه نسب وعرف في الأدب العربي والإسلامي.

ويوثّق ابن منظور نسبه إلى رويفع في تقديمه لمعجمه "لسان العرب" فيقول: رويفع ابن ثابت هذا هو جدنا الأعلى من الأنصار، كما رأيته بخط جدي نجيب الدين والد مكرم.

اختلف المؤرخون بشأن مكان ولادته، فمنهم من رأى أنه ولد في القاهرة ومنهم من رأى أنه ولد بطرابلس الغرب، إلا أن الثابت أنه نشأ بمصر.

قضى ابن منظور عمره في الدراسة والكتابة والتأليف، ودأب على اختصار الكتب العربية القيّمة وتلخيصها، وكان "لا يمل من ذلك" كما قال عنه المحدِّث ابن حجر.

كان ابن منظور ذا صيت حسن، وأهّله عمله وتقواه للعمل في دار الإنشاء في القاهرة، وتولي القضاء في طرابلس الغرب.

ومن أشهر أعمال ابن منظور معجمه الشامل "لسان العرب" الذي يعتبر أكثر المعاجم العربية موسوعية وشمولا، ومرجعا يعول عليه في أوساط علماء لغة الضاد.

وقد أسس ابن منظور معجمه على خمسة معاجم سابقة هي "تهذيب اللغة" للأزهري و"المحكم" لابن سيده و"الصحاح" للجوهري و"حاشية الصحاح" لابن بري "والنهاية في غريب الحديث" لعز الدين بن الأثير.

ولم يقلّل ابن منظور في تقديمه للسان العرب من جهود من سبقوه، وبيّن أن غرضه من وضع معجم لسان العرب هو إعادة الفهرسة وإعادة الإنتاج بطابع علمي سلس يسهل على الدارس الوصول إلى غايته.

يقول في تقديمه للسان العرب "وليس في هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم (...) وما تصرفت فيه بكلام غير ما فيها من النص، فليتقيد من ينقل عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة".

ويعد ما ذكره ابن منظور في تقديمه على أنه مثال حي لترسخ مبدأ الحقوق الأدبية في الأدب العربي وأن احترام ذلك الحق والالتزام به نابع من شعور بالمسؤولية، وهو ما يعرف اليوم بقوانين حقوق الملكية الفكرية التي أصبحت تتمتع بقوانين جنائية صارمة.  

وبالإضافة إلى الكتابة والتأليف، كان ابن منظور شاعرا كذلك له شعر يجمع بين الرقة والحكمة، ومن شعره:

توهم فينا الناس أمرا وصّمَمت ***  على ذاك منهم أنفس وقلوبُ

وظنوا وبعض الظن إثم وكلهم ***   لأقواله فينا عليه ذنوب

قال الصفدي عن شعره في كتابه أعيان العصر: له شعر غاص على معانيه وأبهج به نفس من يعانيه.

عاد بعد انتهاء مهمة توليه القضاء في طرابلس إلى القاهرة، وبقي فيها إلى أن توفي عن عمر ناهز 82 عاما، وقيل إنه عمي قبيل وفاته.

المصدر : الجزيرة