أحمد الجنابي

تتناول الحلقة الثانية من سلسلة "بالهجري" حدثا من أحداث شهر المحرم الجاري حسب التقويم الهجري، وهو سيرة أبو الفداء إسماعيل بن علي الأيوبي صاحب حماة، الملقب بأبي الفداء الملك العالم.

ينحدر الملك العالم أبو الفداء إسماعيل بن علي من سلالة الأيوبيين التي ينتمي إليها القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، وهي سلالة كردية مسلمة ضمت العديد من الحكام الذين تولوا أمور المسلمين في بقاع عديدة من بلاد الشام ومصر، وعرف عنها العدل في الحكم والجد في العمل والشجاعة في الحرب وإتقان العمل السياسي، والحرص على وحدة المسلمين، حيث دأب ملوك هذه السلالة على عدم الانشقاق على مركز الخلافة العباسية في وقت كثرت فيه الانشقاقات وبروز الكيانات التي لم تعترف بسلطة الخليفة العباسي مثل الدولة الفاطمية في مصر.

فرّت عائلة أبي الفداء من حماة بعد أن أحاط بها المغول، واستقرّ بها الحال في دمشق حيث ولد عام 672 للهجرة. رحل أبو الفداء إلى مصر وحاز على ثقة ومحبة الملك الناصر، الذي ولاه على حماة وخلع عليه لقب "الملك".

وبعد أن تسلم حكم حماة التي تعتبر إحدى عواصم حكم الأيوبيين التاريخية في بلاد الشام، استطاع أبو الفداء أن يعيد الدولة الأيوبية إلى سابق عهدها.


جمع أبو الفداء صفات حسنة عديدة، فبالإضافة إلى علمه الغزير وبصيرته السياسية، كان قائدا عسكريا لامعا. وقد أوكلت له مهمة رد جيش التتار عن مواقع احتلوها حول مدينة حمص، فنجح في مهمته نجاحا كبيرا واستطاع رد التتار وأمعن في قتل جنودهم حتى انكسرت شوكتهم، وكان ذلك قبل أن يولّى على حماة. 


عمل أبو الفداء على إعمار حماة بهمة عالية، ولا يزال بعض مما عمّر قائما إلى يومنا هذا.

 

يعتبر أبو الفداء الملك العالم حاكما من طراز فريد، استطاع أن يسبر أغوار العلم رغم اضطلاعه بالعمل السياسي والعسكري منذ نعومة أظفاره، وبالإضافة إلى التاريخ والجغرافيا التي برع فيها، كان أبو الفداء فقيها في علم اللغة.

كتب كتابه الكُنّاش -
وهي كلمة من اللغة السريانية التي انتشرت في العراق وبلاد الشام منذ قرون ما قبل الميلاد- وتعني المجموعة أو التذكرة، وقد اختار أبو الفداء هذا الاسم لأن كتابه تألف من عدة أجزاء تتناول اللغة العربية، ومنها أجزاء تغوص في علمي النحو والصرف.

 

أما على صعيد الشعر، فقد نظم أبو الفداء الشعر ولكنه ليس بشاعر.

 

ووصولا إلى وفاته، قام أبو الفداء ببناء ضريح له قبل خمس سنين من وفاته، وعندما سئل عن سبب ذلك أجاب بأنه لن يكمل الستين وقد صدق حدسه فقد توفي في 23 من شهر المحرم عام 732 للهجرة قبل أن يكمل الستين من العمر.

المصدر : الجزيرة