الصغير الغربي

يعد ابن زهر أول طبيب عربي شرح طريقة التغذية القسرية والاصطناعية عن طريق الحلقوم أو الشرج. وهو أبو مروان عبد الملك بن محمد بن مروان بن زهر بن أبي العلاء الإيادي الإشبيلي، ويعرف عند الأوربيين باسم "Avenzoar" و"Abumeron" و"Abynzoar".

وينحدر ابن زهر من أسرة عريقة في الطب والعلم، اشتهر منها عدد من العلماء المسلمين في الأندلس. 

ولد أبو مروان في إشبيلية سنة 1072م، وفي مصادر أخرى سنة 1093م، وكان والده وجده طبيبين. درس الأدب والفقه وتعلم الطب على والده نظريا وعمليا. وكان في طبيعته ميل إلى التجارب واكتشاف المجهول فغدا أشهر أطباء عصره. وكان صديقا للطبيب والفيلسوف الشهير الوليد ابن رشد.

اشتغل أبو مروان أول الأمر مع أمراء دولة المرابطين، ثم أصابه من أميرها علي بن يوسف بن تاشفين ما أصاب والده من قبله من محنة، فسجن نحوا من عشر سنوات في مراكش.

وبعد زوال الدولة المرابطية وقيام الدولة الموحدية، اشتغل ابن زهر طبيبا ووزيرا مع عبد المؤمن مؤسس الدولة فشمله برعايته، مما مكنه من تأليف أفضل كتبه. وتوفي أبو مروان في إشبيلية مسقط رأسه عام 1162م.

يعد ابن زهر أحد أعظم أطباء الأندلس، فقد نال إعجاب كثير من معاصريه وعلى رأسهم صديقه ابن رشد الذي وصف ابن زهر في كتابه "الكليات" بأنه أعظم الأطباء بعد جالينوس. وكان له مكانة علمية خاصة في عصره.

ويقول ابن أبي أصيبعة في طبقات الأطباء عن أبي مروان إنه "كان جيد الاستقصاء في الأدوية المفردة والمركبة، حسن المعالجة، قد ذاع ذكره في الأندلس وفي غيرها من البلاد، واشتغل الأطباء بمصنفاته، ولم يكن في زمانه من يماثله في مزاولة أعمال صناعة الطب".
 
ابن رشد وصف ابن زهر في كتابه "الكليات" بأنه أعظم الأطباء بعد جالينوس
إسهاماته العلمية
رغم سعة معارفه وتنوعها فقد تخصص في الطب ومارسه طول حياته، فأضاف أشياء جديدة، منها وصفه لمختلف الأمراض الباطنية والجلدية، وكشفه عن أمراض لم تدرس من قبل.

وكان أول طبيب عربي يشرح طريقة التغذية القسرية والاصطناعية عن طريق الحلقوم أو الشرج. كما بحث في قروح الرأس وأمراضه وأمراض الأذنين والأنف والفم والشفاه والأسنان والعيون وأمراض الرقبة والرئة والقلب وأنوع الحمى والأمراض الوبائية ووصف التهاب غشاء القلب وميز بينه وبين التهاب الرئة.

وأبو مروان من أوائل الأطباء الذين اهتموا بدراسة الأمراض الموجودة في بيئة معينة، فقد تكلم عن الأمراض التي يكثر التعرض لها في مراكش. كما أنه من أوائل الأطباء الذين بينوا قيمة العسل في الدواء والغذاء.

لم يكن ابن زهر يمارس الطب على الطريقة التقليدية التي كانت تقدس آراء الأقدمين وتسير على خطاهم، بل كان طبيبا مستقل الرأي، واسع المعرفة، معتدا بنفسه، اتخذ سبيل التجربة نهجا وقانونا يسير على هديه، وهو القائل إن التجربة تثبت الحقائق وتذهب البواطل.

كما قال: "إن التجربة إما أن تصدق قولي حيا كنت أو ميتا وإما أن تكذبه". ويبدو أنه أخذ على نفسه عهدا بأن لا يصدق إلا ما نتج من تجربة يؤيدها المنطق والبرهان، وهو ما كان له أثر كبير في التطورات العلمية والعملية التي أدخلها الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون في الدراسة والبحث العلمي في أوائل القرن السابع عشر ليؤسس بذلك الثورة العلمية الحديثة المبنية على الملاحظة والتجريب.

كما كان أبو مروان معلما يشعر بالمسؤولية ويتصرف بما تقتضيه مكانته، ولا أدل على ذلك من أنه كان يطلب من تلاميذه أداء قسم أبقراط، ويلزمهم بإجبار تلامذتهم على أدائه أيضا.

"كتاب التيسير في المداواة والتدبير" أحد أشهر كتب ابن زهر وهو موسوعة طبية يبرز فيها تضلعه في الطب وموهبته فيه، وقد أهداه إلى صديقه ابن رشد

مؤلفاته
ذكر المؤرخ والطبيب ابن أبي أصيبعة في كتابه "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" أن ابن زهر ألف سبعة كتب، لكن لم يصلنا منها سوى ثلاثة. ويعد "كتاب التيسير في المداواة والتدبير" أحد أشهر كتب ابن زهر وهو موسوعة طبية يبرز فيها تضلعه في الطب وموهبته فيه، وقد أهداه لصديقه ابن رشد الذي ألف فيما بعد "كتاب الكليات في الطب"، فكان كل من الكتابين يتمم الآخر. وقد تُرجم هذا الكتاب إلى اللاتينية في البندقية عام 1490م ثم في ليدن عام 1531م، وكان له أثر كبير على الطب الأوروبي حتى القرن السابع عشر.

كما ألف ابن زهر "كتاب الاقتصاد في إصلاح الأنفس والأجساد"، وهو خلاصة للأمراض والأدوية وعلم حفظ الصحة والطب النفسي. ولا يوجد من هذا الكتاب سوى مخطوطتين إحداهما في المكتبة الوطنية بباريس، والثانية تملكها مكتبة الإسكوريال بإسبانيا.

وألف أيضا "كتاب الأغذية والأدوية"، الذي يصف فيه مختلف أنواع الأغذية والعقاقير وآثارها على الصحة، وقد ترجم إلى اللاتينية.

أما الكتب التي ضاعت فهي: كتاب الزينة، ومقالة في علل الكلى، وتذكرة في أمر الدواء المسهل، ورسالة في علتي البرص والبهق.

وقد استمر تأثير ابن زهر في الطب الأوروبي حتى القرن السابع عشر الميلادي، وذلك بفضل ترجمة كتبه إلى اللاتينية والعبرية. وامتدح المستشرق جورج سارتون أبا مروان بن زهر فقال: "إن أبا مروان تميز عن غيره في حقل الطب في شرق وغرب الدولة الإسلامية، بل إنه أعظم طبيب في عصره في العالم أجمع".

أما غوستاف لوبون فيقول عنه إنه "كان مجربا مصلحا موطئا لعلم المداواة وقد كان يقول إن للبدن قوة كامنة ناظمة للأعضاء كافية وحدها لشفاء الأمراض على العموم".

المصدر : منظمة المجتمع العلمي العربي