أبو القاسم الزهراوي، أحد أعظم جراحي العرب ومن أعظم أطبائهم، بل هو أستاذ الجراحة الأول ونابغة العرب في هذا التخصص وأبو الجراحة عندهم وعند الغربيين الذين ورثوا طب العرب يوم لم يكن في العالم كله طب غيره في زمانه، مثلما جاء في دائرة المعارف البريطانية.

يُعد الزهراوي أول جراح استخدم الخيوط التي كان يستلها من أمعاء الحيوانات في خياطة الأمعاء، ووصف بأنه "كان من أهل الفضل والدين والعلم" كما روي عنه أنه كان يخصص نصف نهاره لمعالجة المرضى مجانا قربة لله عز وجل.

واسمه أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، نسبة إلى مولده بمدينة الزهراء التي بناها أمويو الأندلس إلى الغرب الشمالي من مدينة قرطبة، عالم ومصنف وجراح وطبيب أندلسي مسلم، عرفه الأوروبيون باسم أبو القاسم. وعاش من 327 هـ/936 م إلى 404هـ/1013 م.

عاش الزهراوي في الأندلس خلال القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) فقضى حياة مليئة بجلائل الأعمال، وترك آثارا عظيمة. وكان طبيب الأمير عبد الرحمن الثالث المعروف بالناصر، ثم طبيب ابنه الحاكم الثاني المستنصر.

تعود شهرته إلى كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" وهو موسوعة في مختلف المعارف الطبية في عصره، تقع في 1500 ورقة تبحث في الطب الداخلي والأدوية والأغذية والكيمياء والجراحة، وهي أهم أقسام الكتاب. وقد أسهم في نشر الجراحة العربية في جميع البلدان الأوروبية بعد ترجمته إلى اللغة اللاتينية على يد جيرار الكريموني في طليطلة بالقرن الـ12 الميلادي.

الزهراوي كان جراحا ماهرا وطبيبا ذا خبرة واسعة

خبرة واسعة
لم يكن الزهراوي جراحا ماهرا فحسب، بل كان طبيبا ذا خبرة واسعة. وقد أفرد قسما مهما من كتابه في الجراحة لأمراض العين والأذن والحنجرة، وقسما مهما لأمراض الأسنان واللثة واللسان، وأمراض النساء وفن الولادة والقبالة، وبابا كاملا للجبر وعلاج الفك والكسر. والزهراوي أول من اكتشف ووصف النزف الدموي المسمى الناعور أو الهيموفيليا.

كان تأثير الزهراوي عظيما بأوروبا، فقد ترجمت كتبه إلى لغات عديدة، ودُرِّست بجامعاتها الطبية. واقتفى أثره الجراحون الأوربيون، واقتبسوا عنه حتى إنهم في كثير من الأحيان انتحلوا بعض مكتشفاته من دون أن يذكروه كمصدر لها. وكان مؤلفه الكبير المرجع الأمين لأطباء أوروبا من أوائل القرن الـ15 إلى أواخر القرن الـ18.

ألح الزهراوي على مباشرة التشريح على أنه ضرورة لتعلم الجراحة، وذلك في كتابه المذكور "التصريف لمن عجز عن التأليف" حيث أشار إلى أهمية دراسته، ونصح بمزاولته لمن يرغب في التعامل مع الجراحة.

ويُروى أن الزهراوي كان يقف خلف ستار خفيف، ويعطي إرشاداته المناسبة للقابلات في تدبير حالات الولادة العسيرة. كما رُوي عنه أنه كان ينصح بوضع مرآة تحت مقعد المرأة ليرى كل شيء على هيئته.

لقد ابتدع الزهراوي كثيرا من الأدوات الجراحية التي صممها بنفسه، وبين لكل منها طريقة استعمالها ومكانه. ونصح بكي السرطان في بدء تشكله بمكواة حلقية. كما تكلم عن كي النزف الناجم عن قطع الشريان بربطه أو الضغط عليه. ونظرا لعدم وجود كهرباء في ذلك الوقت، كان يستخدم السخان، فيعمد إلى تحمية أو تسخين قطعة معدنية ويضعها على المنطقة المصابة فتؤدي إلى تجمد الأنسجة وتوقف النزف. وهو بذلك يكون قد سبق الجراح الفرنسي الشهير أمبرويز باريه (من أطباء القرن الـ16 وطبيب ملوك فرنسا آنذاك) الذي تعزى إليه الأسبقية في عملية ربط الشرايين بخمسة قرون.

أول من اكتشف ووصف النزف الدموي المسمى الناعور أو الهيموفيليا

توسيع عنق الرحم
والزهراوي أول من أجرى طريقة استئصال الحصى المثانية لدى النساء عن طريق المهبل، وأول من استعمل آلات خاصة لتوسيع عنق الرحم، وأول من ابتكر آلة خاصة للفحص النسائي لا تزال إلى يومنا هذا. كما تكلم عن جراحة دوالي الخصية التي تعرف باسم دوالي الحبل المنوي بلغة اليوم، وعن جراحة الفتوق.

وقد وصف علاج الجروح الناجمة عن قطع سيف أو سكين أو طعنة رمح. وتحدث عن جراحات الرأس وما يرافقها من كسور في العظم وتهتك في الأعصاب، وعن جراحات العنق والصدر والبطن والأمعاء وخياطتها. وتكلم أيضا عن قطع الأطراف، ونشر العظام، وبتر الأعضاء، وقطع الدوالي وعلاجها.

كما يعد أول جراح استخدم الخيوط التي كان يستلها من أمعاء الحيوانات في خياطة الأمعاء، وأول من استخدم جسور الأسنان الذهبية والفضية وأدوات ضغط الأسنان، ونجح في معالجة تشوهات الفكين وفي تقويم الأسنان باستخدام آلات جراحية ابتكرها لهذا الهدف.

لقد ترجم الكريموني كتاب الزهراوي بالقرن الـ12 إلى اللاتينية كما ذكرنا، وأصبح هذا المؤلف الكتاب المدرسي المعتمد بكليات الطب في أوروبا كلها حتى مطلع الـ17. كما نقل الجراح الفرنسي الشهير دي شولياك كثيرا من آراء الزهراوي إلى مؤلفه "الجراحة الكبرى" واستشهد بآرائه أكثر من مئتي مرة، كما طبع الكتاب أول مرة في إيطاليا عام 1471 م، ثم تبعتها فيما بعد أكثر من عشرين طبعة أخرى بالقرن الـ16 في مدن أوروبية مختلفة.

عالم الفيسيولوجيا هالر: كانت كتب الزهراوي المصدر العام الذي استقى منه جميع من ظهر من الجراحين بعد القرن الـ14

لم يعرف من آثار الزهراوي الهامة إلا كتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف" الذي يقع في ثلاثين مقالة، تبحث في أمراض الجسم كاملة، إلا أن الأهم هي المقالة الثلاثون المتعلقة بالجراحات، والتي أكسبته لقب أكبر جراحي زمانه، وهي مزينة بالرسوم الموضحة لآلات الجراحة التي صممها بنفسه كما ذكرنا. وقد ترجمت عدة مرات إلى اللاتينية. ولكن هناك كتبا أخرى للزهراوي، مثل كتاب "نور العين" في طب العيون و"تفسير الأكيال والأوزان" و"المقالة في عمل اليد".

وتكلم الزهراوي عن الأوجاع التي تحدث قبل حدوث الطمث بيومين أو أكثر (أو ما ندعوه المتلازمة السابقة للطمث premenstrual syndrome)، قائلا "وقد تعتري بعض النساء قبل مجيء الطمث أوجاع في السرة وكسل وثقل في البدن، ويقل الوجع حتى ينطلق الطمث ويذهب الوجع".

وفي صفات الزهراوي، يقول الأديب والمؤرخ "الحميدي" في كتابه "جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس" إن الزهراوي كان من أهل الفضل والدين والعلم، كما ذكر آخرون أنه كان يخصص نصف نهاره لمعالجة المرضى مجانا قربة لله عز وجل.

قيل في الزهراوي:

  • المستشرقة الألمانية د. زيغريد هونكه: الزهراوي أول من توصل إلى طريقة ناجحة لوقف النزف من الشرايين.
  • عالم الفيسيولوجيا هالر: كانت كتب أبي القاسم المصدر العام الذي استقى منه جميع من ظهر من الجراحين بعد القرن الـ14.
  • مؤرخ العلم جورج سارتون: الزهراوي أكبر جراحي الإسلام.
  • المستشرق جاك ريسلر في كتابه "الحضارة العربية": وشرح جراح كبير (الزهراوي) علم الجراحة، وابتكر طرقا جديدة في الجراحة امتد نجاحها فيما وراء حدود إسبانيا الإسلامية بكثير، وكان الناس من جميع أنحاء العالم المسيحي يذهبون لإجراء العمليات الجراحية في قرطبة.
  • د. أمين خير الله في كتابه "الطب العربي"، وهو يقول عن كتاب التصريف: ومن يطالع كتابه لا يتمالك نفسه عن الاعتقاد بأنه قد شرح الجثث هو بنفسه، لأن وصفه الدقيق لإجراء العمليات المختلفة لا يمكن أن يكون نتيجة للعمليات فقط.

المصدر : موسوعة الملك عبدالله بن عبد العزيز العربية للمحتوى الصحي