ماركوس هيليغ*

ما زلت أتذكر تلك المحادثة قبل 25 سنة، عندما كنت ما أزال طبيبا شابا في بداية عملي مع المرضى الذين يعانون من الإدمان على المخدرات والكحول، إذ قال لي أحدهم: "أتعلم أيها الطبيب، أن تثمل أو أن تأخذ الهيروين يعطيك نفس شعور معانقة أمك".

لقد سمعت منذ ذلك الحين أوجها مختلفة كثيرة لتلك الفكرة ولقد وجدتها مذهلة ومؤثرة، ولكنني تعلمت من التدريب الذي تلقيته أنه يجب ألا يخضع العلم للقصص والحكايات، وعليه قمت بوضع قصص مرضاي في الجزء الحساس من عقلي ورجعت إلى المختبر وأدمغة الجرذان التي كنت آمل أن تساعدني في التعامل مع مشاكل الصحة العقلية.

لكن لو تأملت في الموضوع لوجدت أن من الواضح أن الناس الذين يعانون من اضطرابات الإدمان لديهم حافز قوي للسعي للحصول على أي شيء يجعلهم يشعرون بأن شخصا يعانقهم. إن من المهم أن يبدأ علماء الأعصاب في محاولة استكشاف معنى حقيقة أن هؤلاء في معظم الأحيان لا يتمتعون بالكثير من الحنان.

إن علم الأوبئة الاجتماعية والمبني على مفهوم إيميل دوركهايم المتعلق بالاندماج الاجتماعي (وعكسه الإقصاء الاجتماعي)، قد أظهر أهمية العلاقات والدعم الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي المثمر للصحة العقلية والإدمان، فالبيانات واضحة ومهمة.

لكن هناك مشكلة في الأبحاث المتعلقة بالاندماج الاجتماعي، إذ سوف يكون من الصعب أن تجد فيها كلمة "دماغ".

من الواضح أن الناس الذين يعانون من اضطرابات الإدمان لديهم حافز قوي للسعي للحصول على أي شيء يجعلهم يشعرون بأن شخصا يعانقهم

العمليات الاجتماعية
كما أن الأسوأ من ذلك هو عندما يقوم عالم أعصاب مثلي باقتراح النظر للدماغ لفهم تلك العمليات الاجتماعية، أو استخدام الأدوية التي تستهدف الدماغ -مثل ميثادون أو بيبرينورفاين- لمساعدة الناس الذين يعانون من الإدمان، فإن الكثيرين من العاملين في هذا المجال يصبحون عدائيين.

إن المشكلة ليست بهذا السوء في مجال تخصصي، فأنا لا أعرف أي عالم أعصاب ينكر أهمية العمليات الاجتماعية كدافع للإدمان، ولكن بعد أن نتفق مع هذا الطرح، قليل من يعود إلى المختبر لدراسة الإدمان بالطريقة التي نعرفها منذ عقود: كل دماغ على حدة.

ومنذ اكتشاف نظم المكافآت الخاصة بالدماغ قبل أكثر من نصف قرن، ظهرت نظرة راسخة تتعلق بالإدمان: إن المخدرات التي تؤدي للإدمان تستغل نظم المكافآت تلك بحيث تقوم بتفعيلها بشكل أكثر قوة من المحفزات الطبيعة، وعليه تقوم باختطاف الدماغ (إن هذا التبسيط الشديد يتجاهل المفاهيم المتعلقة بتغير وظيفة الدوائر الكهربائية في المخ مع مرور الوقت، ولكنه أساس تلك النظرية).

بالنسبة للعلوم الأساسية والاكتشاف الفكري، فإن هذا الخط البحثي كان مثمرا للغاية، واليوم يستطيع زملائي أن يعدلوا جينيا خلايا دماغية مختارة لجعلها قابلة للتحكم من خلال أشعة الليزر، كما يستطيع آخرون استخدام الصور الدماغية من أجل تصور وقياس العقول البشرية. لقد نتج عن مثل هذا النوع من الأبحاث أفكار رائعة تتعلق بوظيفة الآلية العصبية خلف السلوك الذي يأتي نتيجة لدافع ما.

وعلى الرغم من ذلك كله ومن مليارات الدولارات التي تم إنفاقها والآمال العريضة؛ فإنه لا يوجد لدينا علاجات جيدة للمرضى الذين يعانون من الإدمان.

لقد بدأ بعض الأطباء والعلماء في التشكيك بتركيز الباحثين الشديد على نظم المكافآت للدماغ والشعور بالنشوة الذي يتولد عن طريق تفعيله من قبل المخدرات، وكما يعرف المرضى منذ فترة طويلة فإن الشعور بالنشوة مهم في المرحلة المبكرة وذلك عندما يبدأ استخدام المخدرات، ولكن بينما يشعر معظم المتعاطين بالنشوة فإن واحدا فقط من بين كل خمسة أشخاص يصبحون مدمنين وذلك بعد سنوات من الاستخدام.

بالنسبة للعديد من المرضى، فإن الإقصاء والتهميش والفقر والوحدة جزء لا يتجزأ من عملية الإدمان

النشوة
وبحلول الوقت الذي يسعى فيه الأشخاص للعلاج من الإدمان فإنهم لم يعودوا يسعون وراء النشوة، فلقد انتهى في الغالب الشعور بالنشوة وتغيرت وظيفة أدمغتهم وأصحبت نظم التوتر والنفور لديهم خارجة عن السيطرة.

إن المشكلة الرئيسية التي تجعل المرضى يأتون إلى مكتبي هي أنه من دون المخدرات يصبحون قلقين ويعانون من الكآبة والقلق واضطراب النوم، وهذا الوضع مؤلم جدا بالنسبة لهم. ولقد علمتهم السنوات أن هناك حلا سريعا وهو استئناف استخدام المخدرات، على الرغم من أن ذلك يجعل الأمور أسوأ على المدى الطويل.

إن العلم الأساسي المتعلق بهذه العملية كان يحدوه الأمل في إيجاد علاجات الإدمان المضادة للقلق، ولقد أمضيت مع فريق كبير من زملائي أكثر من عقد من الزمان في محاولة تطوير مثل هذا العلاج، ولكن ذلك فشل فشلا ذريعا، كما فشلت المقاربات المماثلة المتعلقة بالاضطرابات النفسية المرتبطة بالقلق بما في ذلك الاكتئاب والشعور بالقلق، علما بأن الآمال المعلقة على ذلك كانت أيضا مرتفعة.

ما الذي نفتقده؟ سوف أكون أحمق لو ادعيت أنني أحمل الجواب النهائي، فالإدمان مرض صعب يصعب علاجه، ولكنني أعتقد أن جزءا مهما من الجواب هو أن الأشخاص الذين يعانون من الإدمان مختلفون تماما عن الفئران والجرذان التي كنا نستخدمها في الغالب سعيا وراء علاجات جيدة، وهناك أساليب للنظر إلى الإدمان أفضل من الأساليب التي كنا نستخدمها في الدراسات التي قمنا بها: كل دماغ على حدة.

إن القلق هو عامل حيوي في حصول الانتكاسة، ولكن بالنسبة للناس فإن أهم الضغوط هي الضغوط الاجتماعية، وبالنسبة للعديد من المرضى فإن الإقصاء والتهميش والفقر والوحدة جزء لا يتجزأ من عملية الإدمان، ولقد بدأت الأبحاث بالتوصل إلى أن الإقصاء الاجتماعي يحرك نفس الدوائر الكهربائية في الدماغ التي يحركها السعي للحصول على المخدرات.

آمل في أن الأبحاث التي تسترشد بهذه الأفكار سوف ينتج عنها أخيرا علاجات جديدة، ولكن على أقل تقدير يجب أن يكون من الواضح أن هناك احتمالية كبيرة لأن يؤدي نهج المواجهة والقمع في التعامل مع اضطرابات الإدمان لجعل الأمور أسوأ لا أفضل، وهذه حقيقة تتعلق بعلم الأحياء العصبي.
_________________
* أستاذ ومدير في مركز علم الأعصاب الاجتماعي والعاطفي في جامعة لينكويبينغ.

المصدر : بروجيكت سينديكيت