د. أسامة أبو الرب

مع ما يصفه الكثيرون بتقهقر الخدمات الصحية المقدمة في كثير من الدول العربية مثل مصر والعراق وسوريا، وبروز نمط ربحي من الطب الموجه إلى الأغنياء كما في الأردن ولبنان، نطرح هنا السؤال "هل أصبح الطب بالعالم العربي صناعة مربحة وللأثرياء فقط؟" عبر استعراض نتائج دراسة* تناولت واقع الصحة العامة في الوطن العربي وطرحت معطيات لافتة.

أجرى الدراسة باحثون في فرنسا ولبنان، ونشرت على موقع منظمة المجتمع العلمي العربي "أرسكو" في 2014 نقلا عن مجلة المستقبل العربي، وقد توصلت لنتائج ما زالت تنطبق حتى الآن ويبدو أنها ستستمر في ذلك حتى المستقبل القريب.

وتتّبعت الدراسة تطور ونشأة سياسات الصحة العامة في الوطن العربي، مسلطة الضوء على عدة فترات، شملت مرحلة الاستعمار ثم الاستقلال، ثم مرحلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وما بعدها.

ووفقا للدراسة فإن الاستعمار الغربي للمنطقة العربية كان وفق سياسات القوى الاستعمارية، وقد كانت السياسات الاجتماعية والصحية تحددها قبل كل شيء مصالح المستعمرين، الذين تَمثَّلت أولوياتهم بالتجارة وتصدير المنتجات الزراعية، وقد نُفِّذت هذه السياسات بطرق استبدادية، وأصبح تعزيز الصحة العامة وسيلة للسيطرة على شعب اعتبر متخلفًا وجاهلًا وخطرًا. وتضيف الدراسة أن الظروف الصحية للشعوب العربية المقهورة كانت بائسة.

أما خلال العقود الأولى من الاستقلال فقد أصبحت الصحة حقًّا مكفولا من قِبَل الدولة، وتحقق تقدم مهم في هذا الشأن، وكانت هناك تحسينات ملحوظة في صحة السكان في كل المنطقة بين عامي ١٩٥٠ و١٩٨٠، فمن بداية الستينيات إلى بداية الثمانينيات من القرن العشرين مثلا ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة في المغرب من ٤٨ إلى ٥٩ عاما، وتناقص معدل وفيات الرضع من ١٤٥ إلى ٩٠ لكل ١٠٠٠ ولادة حية.

وفي الجزائر ازداد متوسط العمر المتوقع من ٤٨ إلى ٦١ عاما، وتراجع معدل وفيات الرضع من ١٥٩ إلى ٨٤. وفي مصر ارتفع متوسط العمر المتوقع بتسع سنوات من ٤٧ إلى ٥٦ سنة، وتراجع معدل وفيات الرضع من 179 في كل ألف إلى 108 لكل ألف.

مصر على سبيل المثال شهدت تحسينات صحية كبيرة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ولكنها شهدت ترديا مخيفا للنظام الصحي في ما بعد

مرحلة جديدة
ولكن مرحلة جديدة بدأت بعد ذلك، إذ في الفترة من عام ١٩٧٠ إلى عام ١٩٨٠، أدى الاستمرار في تحسين المستويات المعيشية، وتبني الحكومات لسياسات جديدة، إلى زيادة الجور الاجتماعي وتحوُّل عميق في الممارسات والتوقّعات، وبالتالي إلى زيادة الطلب على الرعاية الصحية.

كما حدث انسحاب للسياسات الاشتراكية، والعودة إلى الليبرالية الاقتصادية بشكل تدريجي، بدءًا من سبعينيات القرن العشرين، مترافقا مع دخول فاعلين جدد على المستويين المحلي والعالمي.

وقد حدثت هذه التغيّرات على فترتين: في سبعينيات القرن العشرين، مع زيادة أسعار النفط، وتسارع وتيرة الهجرة، وفي تسعينيات القرن العشرين، مع تفاقم حدة الدَّين الخارجي، وتنفيذ إصلاحات بنيوية، وانفجار الجور الاجتماعي، وخسائر الحرب، والتهجير في بلدان مثل السودان وفلسطين والعراق.

وأدت السياسات الصحية والتطورات على الأرض خلال هذه الفترات إلى اتجاهات متلازمة لكنها متضادة، فكانت هناك جهود حكومية لتعزيز صحة المجتمع، ولكن أيضا تطوير خدمات طبية خاصة مربحة للأثرياء.

وكانت البلدان العربية في سبعينيات القرن العشرين تملك الموارد اللازمة للاستثمار في الخدمات الاجتماعية والصحية، لكنها واجهت قيودا متزايدة منذ تسعينيات القرن العشرين، بسبب الخفض في الميزانية، والضغوط من قِبَل المؤسسات المالية الدولية.

هذه التغيرات أدت إلى حدوث تقهقهر في القطاع الصحي في بعض الدول ومشاكل، وتضرب الدراسة مثالا على ذلك بمصر التي شهدت تحسينات صحية كبيرة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ولكنها شهدت ترديا مخيفا للنظام الصحي في ما بعد. إذ أثّر ترافُقُ تدفق الطلاب إلى كليات الطب المنتشرة في الأقاليم التي تعاني نقصا في التجهيزات وتدنٍّ بالغ في جودة التعليم مع دخول أطباء يافعين ذوي تدريب ضعيف وخبرة قليلة، سلبًا في جودة الرعاية الطبية.

وتضيف الدراسة أن فضيحة التلوث بفيروس التهاب الكبد "سي" في مصر التي كُشفَت في تسعينيات القرن العشرين ليست إلا مثالا مخيفا على السياسات الصحية المتّبعة ذات الطريق المسدود. فقد كانت نتيجة الحملة التي أطُلقَت للقضاء على داء البلهارسيا في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين مثيرة وغير متوقعة، إذ أعيد استخدام المحاقن الملوّثة في التلقيح نتيجة نقص الموارد وجهل وإهمال المهنيين الصحيين ذوي الأجور الضعيفة والتدريب الهزيل، مما سبب انتشارًا سريعا لالتهاب الكبد "سي" الذي ما زال معدل انتشاره في مصر لا مثيل له في العالم.

وتقول الدراسة إن أزمة نموذج التنمية في ثمانينيات القرن العشرين، وتراجع الإنفاق العام، أدَّيا إلى ظهور لاعبين دوليين ومحليين جدد، أكثرهم من القطاع الخاص.

وتضيف الدراسة أنه منذ التسعينيات من القرن الماضي كان إصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي على جدول أعمال معظم البلدان العربية، كما في بقية العالم. وفي الواقع، كانت الإصلاحات الليبرالية الجديدة المفروضة من قبل البنك الدولي بارزة في الكثير من البلدان العربية، معطية دورًا أوسع للقطاع الخاص، ومُغيِّرة مفهوم الدولة ومسؤولياتها في توفير الخدمة الصحية.

الدراسة نشرت على موقع منظمة المجتمع العلمي العربي

صناعة مربحة
وتقول الدراسة إن الرعاية الصحية أصبحت في بعض البلدان العربية صناعة مربحة بشكل واضح، ففي الأردن ولبنان ازدهرت "المستشفيات الاستثمارية" المزوّدة بمعدات متطورة، جاذبةً الزبائن الأغنياء من جميع أرجاء المنطقة.

كما تطورت السياحة الطبية في المغرب وتونس، حيث يستفيد الأوروبيون من الخدمات الطبية الأقل تكلفة، ونمت الجراحة التجميلية بسرعة، مستفيدة بشكل واضح من هذا الفرق في التكلفة.

وأفادت التقارير أن الكثير من الأثرياء العرب والغربيين سافروا إلى العراق لشراء الكلى وإجراء عمليات زرع الكلية، خلال سنوات العقوبات على العراق.

وختمت الدراسة بأنه اليوم، يبدو أن أهداف العدالة الاجتماعية والحق في الصحة للجميع بعيدة المنال، بعد فشل سياسات التنمية الوطنية، وما تلاها من انسحاب الدولة من البرامج الاجتماعية.

وأكدت أن التحدي الجديد الذي يواجه المهنيين الصحيين هو إيجاد ديناميات اجتماعية وسياسية جديدة يمكن أن تجعل هذه الأهداف واقعية مرة أخرى.

وأجرت الدراسة الباحثة في المركز الوطني للبحوث العلمية (CNRS) في فرنسا إليزابيث لونغينيس، ورئيسة بحوث المركز الوطني للبحوث العلمية سيلفيا شيفولو، ورئيس الجمعية اللبنانية للإدارة الصحية نبيل م. قرنفل، والأستاذ المساعد في كلية العلوم الصحية في الجامعة الأميركية في بيروت عمر دوه جي.

ومنظمة المجتمع العلمي العربي "أرسكو" منظمة مستقلة غير ربحية، تعنى بشؤون المجتمع العلمي العربي ويتولى إدارتها مجلس أمناء وإدارة مستقلة، وتعمل على توفير أرضية وبيئة تجمع الأكاديميين والباحثين العلميين والمهندسين والأطباء لتبادل الخبرات والمعلومات والتفاعل والتعاون في ما بينهم، لتكون ملتقى للحوار وفضاء لنشر المقالات العلمية وتبادل الآراء.
_______________
* الصحة العامة، مهنة الطب، وبناء الدولة في الوطن العربي: نظرة تاريخية, إليزابيث لونغينيسو, سيلفيا شيفولو, نبيل م. قرنفل, عمر دوه جي.

المصدر : منظمة المجتمع العلمي العربي