لوبيات الغذاء والتوصيات الطبية.. محاولة للتأثير والتلاعب؟
آخر تحديث: 2016/10/18 الساعة 18:38 (مكة المكرمة) الموافق 1438/1/17 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/10/18 الساعة 18:38 (مكة المكرمة) الموافق 1438/1/17 هـ

لوبيات الغذاء والتوصيات الطبية.. محاولة للتأثير والتلاعب؟

د. أسامة أبو الرب

وتشكل التوصيات الطبية التي تقدمها المؤسسات والمراجع الطبية مرجعا متبعا والتشديد عليه من قبل موفري الرعاية الصحية، وشرحها للجمهور، وذلك لأنها تأتي من مرجعيات علمية معتبرة ويفترض أنها تستند إلى أدلة واضحة وقوية.

ولكن دراسات ومقالات أخذت تبحث في علاقات بين شركات غذائية وباحثين أو مؤسسات بحثية، وخرجت بنتائج لافتة ومهمة، منها على سبيل المثال:

لوبيات صناعة السكر وتسوس الأسنان
أظهرت دراسة نشرت في مارس/ اذار 2015، أن لوبيات صناعة السكر مارست تأثيرا على المؤسسة الوطنية لأبحاث الأسنان في الولايات المتحدة.

وأجرى الدراسة الباحثون كريستين كيرنز وستانستون غلانتس ولورا شميدت، ونشرت في مجلة "بلوس" العلمية.

وبدأت المؤسسة الوطنية لأبحاث الأسنان في 1966 بالتخطيط لبرنامج بحثي يهدف لعمل أبحاث للتعرف على التدخلات التي يمكن عملها للقضاء على تسوس الأسنان خلال عقد من الزمن، وفي 1971 أطلقت البرنامج الوطني لتسوس الأسنان.

بالمقابل فإن لوبي السكر -الذي لم يستطع إنكار دور السكر في تسوس الأسنان- استخدم مقاربة تقوم على التالي:

  • العمل على تحويل الانتباه إلى التدخلات الصحية العامة التي من شأنها أن تقلل من أضرار استهلاك السكر، بدلا من وضع قيود على كمية استهلاكه.
  • تمويل أبحاث تركز على دور أنزيمات معينة في القضاء على اللويحة الجرثومية السنية (dental plaque).
  • تمويل أبحاث تهدف لعمل لقاح ضد تسوس الأسنان.
  • نسج علاقات مع إدارات وخبراء المؤسسة الوطنية لأبحاث الأسنان.

النتيجة كانت أن 87% من الأبحاث التي دعمتها لوبيات السكر تم تضمينها في أبحاث المؤسسة الوطنية لأبحاث الأسنان، كما جرى حذف الأبحاث التي يمكن أن تكون ضارة بمصالح صناعة السكر من الأبحاث عند إطلاق البرنامج الوطني للتسوس الأسنان.

ويقول الباحثون إن هذا جعل المؤسسة الوطنية لأبحاث الأسنان تضيع فرصة لتطوير الفهم العلمي عن الكيفية التي يمكن فيها التقليل من مأخوذ السكر لمنع تسوس الأسنان.

لوبيات صناعة اللحوم الحمراء والسرطان وأمراض القلب
في عام 2015 صدرت توصيات غذائية جديدة للأميركيينِ (2015-2020 Dietary Guidelines for Americans) من قبل وزارة الزراعة الأميركية ووزارة الصحة والخدمات البشرية الأميركية.

وتعرضت التوصيات الغذائية للانتقاد لأنها لم تكن واضحة بالنسبة لمخاطر اللحوم الحمراء المعالجة، مثل النقانق والهوت دوغ والمرتديلا التي ارتبطت بزيادة معدلات أمراض القلب والسرطان.

هذا الأمر استدعى انتقادا من المتحدث باسم جمعية السرطان الأميركية، وفق ما نقلت النيويورك تايمز.

كما أن أستاذ التغذية وعلم الأوبئة في جامعة هارفارد الدكتور فرانك هو، قال إن صناعة اللحوم تاريخيا لها تأثير كبير على وزارة الزراعة الأميركية.

هذا الرأي يتوافق مع ما تقوله الدكتورة ماريون نستله التي كانت سابقا من الخبراء الذين استعانت بهم وزارة الزراعة الأميركية ووزارة الصحة والخدمات البشرية الأميركية في صياغة المبادئ التوجيهية.

وقالت نستله  قبل سنوات: "لقد قيل لنا لا يمكن أن نقول (أكل كميات أقل من اللحوم) لأن وزارة الزراعة الأميركية لن تسمح به".

 

كوكا كولا وبيبسي والبدانة
كشفت دراسة أن شركتي بيبسي وكوكاكولا قد قدمتا تمويلا بملايين الدولارات لـ96 مؤسسة صحية في الولايات المتحدة، منها مؤسسات معنية بمكافحة البدانة.

ووفقا للدراسة فإن هذا التمويل هو أمر مستغرب ويأتي في سياق تحسين صورتي الشركتين أمام الجمهور، كما أنهما عملتا ضد التشريعات التي تكافح استهلاك المشروبات الغازية.

وأجرى الدراسة الباحثان دانيال آرون ومايكل سيغل، ونشرت في المجلة الأميركية للطب الوقائي في أكتوبر/تشرين الأول 2016.

وكتب الباحثان في مقدمة الدراسة أن هناك مقالات سابقة أشارت إلى أن شركات الصودا تستخدم مواردها لعرقلة التدخلات الصحية العامة التي قد تقلل من استهلاك المشروبات الغازية.

وقالا إنه خلال فترة الدراسة من عام 2011 إلى عام 2015 ضغطت شركتا بيبسي وكوكاكولا ضد 29 تشريعا في الصحة العامة يهدف إلى الحد من استهلاك المشروبات الغازية أو تحسين التغذية.

وكتب الباحثان أنه "من المثير للدهشة وجود رعاية لمنظمات طبية من قبل أكبر شركتين للصودا في البلاد"، مضيفيْن أن هذا التمويل يثير شكوكا بشأن وجود التزام صادق لتحسين صحة الجمهور لدى المؤسسات الصحية التي تلقت التمويل، إذ من خلال قبول التمويل من هذه الشركات فإن المنظمات الصحية تشارك عن غير قصد في خططها التسويقية.

وأوصى الباحثان في ختام الدراسة المنظمات الصحية بإيجاد مصادر بديلة للدخل حتى توقف زيادة استهلاك المشروبات الغازية التي تحدث بشكل غير مباشر ودون قصد (نتيجة قبولها التمويل من شركات الصودا).

لوبيات صناعة السكر وأمراض القلب
أظهرت وثائق قديمة أن صناعة السكر قد دفعت في ستينيات القرن الماضي أموالا لعلماء للتهوين من العلاقة بين تناول السكر والإصابة بأمراض القلب، مقابل التركيز على دور الدهون، وذلك وفقا لما نقلته نيويورك تايمز.

ونشرت هذه المعطيات في ورقة بحثية بمجلة "جاما" للطب الباطني في سبتمبر/أيلول 2016، وأجرى المراجعة لهذه الوثائق باحثون من جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو.

ووفقا للورقة المنشورة فإن كثيرا من التوصيات الغذائية في الوقت الحالي قد وقع التأثير فيها بشكل كبير من قبل صناعة السكر.

وتظهر الوثائق أن مجموعة تجارية تسمى مؤسسة أبحاث السكر، وتعرف اليوم باسم جمعية السكر، دفعت لثلاثة علماء في جامعة هارفارد مبلغا ماليا يعادل قرابة خمسين ألف دولار في الوقت الحالي، لنشر مراجعة بحثية عام 1967 بشأن علاقة السكر والدهون بأمراض القلب.

وقد اختارت مؤسسة أبحاث السكر هذه الأبحاث التي شملتها المراجعة البحثية، ونشرت المراجعة في مجلة "نيو إنجلاند جورنال أوف ميديسين"، وقللت من العلاقة بين السكر وأمراض القلب، في مقابل التركيز على دور الدهون فيها.

كوكا كولا والسمنة
قال مقال في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في أغسطس/ آب 2015، إن شركة كوكا كولا تمول العلماء الذين يلقون باللائمة في السمنة على عوامل أخرى غير الحميات الخاطئة.

وكتب أناهاد أوكونور أن شركة كوكا كولا تدعم حلا جديدا لأزمة السمنة، وهي أنه حتى تحافظ على وزن سليم مارس المزيد من الرياضة واهتم أقل بتقليل عدد السعرات الحرارية المتناولة.

ويقول الكاتب إن شركة كوكا كولا توفر دعما ماليا ولوجيستيا لمنظمة غير ربحية جديدة اسمها "غلوبال إينيرجي بالانس نيتورك"، التي تروج أن الأميركيين المهتمين بأوزانهم يهتمون كثيرا بما يأكلون ولا يولون الرياضة الاهتمام الكافي، ويضيف أن الشركة تعاونت مع علماء مؤثرين لإيصال هذه الرسالة في المجلات الطبية والمؤتمرات والسوشال ميديا.

والمشكلة في الرسالة السابقة التي تحدث عنها الكاتب هي أنها مضللة، لأنها تتعارض مع التوصيات الطبية أولا، ومع الرياضيات البسيطة ثانيا.

فأولا على الصعيد الطبي هناك شبه إجماع بين الأطباء على أن الرياضة وحدها ليست فعالة أو كافية لإنقاص الوزن، وأن تقليل مأخوذ السعرات الحرارية مثل الأغذية والمشروبات السكرية والدهون والحلويات وغيرها يعد عاملا أساسيا في إنقاص الوزن.

أما على صعيد الرياضيات فإن المشي بسرعة ثلاثة أميال (4.82 كيلومترات) في الساعة لمدة ثلاثين دقيقة لشخص وزنه قرابة سبعين كيلوغراما يحرق قرابة 120 سعرا حراريا، بينما يوجد في علبة الكوكا كولا الواحدة 355 مليلترا قرابة 140 سعرا حراريا.

أي حتى تحرق ما في علبة كوكا كولا واحدة من سعرات حرارية يجب أن تمشي لأكثر من نصف ساعة -هذا على فرض أن وزنك سبعون كيلوغراما وستمشي بسرعة ثلاثة أميال بالساعة- بينما إذا لم تشربها من الأصل فكأنك مشيت لأكثر من نصف ساعة، مع الإشارة هنا إلى أن هذا ينطبق أيضا على بقية المشروبات الغازية والسكرية المصنعة من قبل شركات أخرى بشكل عام.

ولكن ما التأثيرات التي تحدثها لوبيات الغذاء في الدراسات الطبية، وعلى الجمهور؟

  • تبني معطيات علمية غير دقيقة من قبل المؤسسات الطبية، مثل نفي أن يكون للسكر دور في أمراض القلب.
  • تقديم معلومات طبية مشوشة وتعمي عن الحقيقة، مثل التركيز على الرياضة والنشاط الجسدي للتهوين من مخاطر السكريات في السمنة.
  • إهمال معطيات طبية، مثل عدم ذكر دور اللحوم الحمراء المعالجة في زيادة خطر السرطان.
  • تحسين صورة الشركات، فمثلا عندما تقول مؤسسة طبية إنها تتلقى تمويلا من شركة مشروبات غازية، فإن هذا يجعل الشركة في صورة جيدة ويساعد جهودها التسويقية.
  • من خلال قبول التمويل من هذه الشركات فإن المنظمات الصحية تشارك عن غير قصد في خططها التسويقية.
  • تأثير اللوبيات في نتائج الأبحاث العلمية والتوصيات الطبية قد يؤدي إلى زعزعة ثقة الجمهور بالتوصيات الطبية التي تقدمها المراجع المعتمدة، مما قد يدفعه إلى التشكيك بكل ما يصدر من مؤسسات طبية، وقد يؤدي إلى حصوله على معلوماته من مصادر غير علمية.
المصدر : نيويورك تايمز,مواقع إلكترونية

التعليقات