بقطاع غزة المحاصر يشكل عدم قدرة الأهالي على شراء شرائح فحص السكر بسبب الفقر خطورة على حياة أبنائهم، بينما تقول وزارة الصحة إنها تعاني من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية.

الطفلة ناريمان الجرو (12 عامًا) بعد أن حقنت نفسها بجرعة من الإنسولين في عضدها اليسرى، شعرت بدوار في رأسها كاد أن يفقدها وعيها بسبب حدوث هبوط في نسبة السكر بالدم، جراء عدم إقدامها على إجراء اختبار لمعرفة النسبة.

وتبرر الطفلة عدم إجراء الفحص المسبق، بنفاد شرائح الفحص لديها، وعدم قدرة والدها على شراء شرائح جديدة.

وتقول ناريمان التي يعاني أيضاً شقيقها الأصغر محمد (تسع سنوات) من المرض ذاته، إنه يحتاج لإجراء الفحص أكثر منها، فهي أكثر وعيًا منه، وتستطيع أن تشرح حالتها الصحية لوالدتها إن شعرت بآلام.

ويحتاج مرضى النوع الأول من مرض السكري، أو ما يسمى "سكري الأطفال" إلى إجراء اختبار لفحص نسبة السكر بالدم، عدة مرات يوميًا، لا تقل عن أربع بواسطة شرائح خاصة بذلك، قبل أن يتناولوا جرعات من الإنسولين.

ويعجز والد ناريمان الذي يعمل في سمكرة ودهان الأجهزة الكهربائية، ويتقاضى راتبًا يقدر بثلاثمئة دولار شهريًا، عن توفير الأدوية والشرائح لطفليه بشكل دائم، كما تقول مَحْضِية، والدة الطفلين.

ناريمان الجرو (12 عامًا) وشقيقها الأصغر محمد (تسع سنوات) يعانيان من السكري (الأناضول)

تكاليف عالية
وتشير الأم إلى أن تكاليف شراء الشرائح التي تحتاجها لطفليها شهريًا تُقدر بـ550 دولارا، فضلاً عن أدوية أخرى وفيتامينات قد يضطران لتناولها.

وتضيف "بالكاد نوفر الطعام لأبنائنا السبعة، فكيف إن كان لدينا مريضان اثنان بالسكر، زوجي بحث كثيرًا عن عمل إضافي لكنه لم يجد، ولا توجد مؤسسات تولي اهتمامًا لمرضى السكري، ووزارة الصحة في غزة لا توفر الشرائح مجانًا لمن هم في ضائقة مالية مثلنا".

ووفق الأم، فإن أقلام الإنسولين التي تحصل عليها من الوزارة غير مناسبة لطفليها، وليست ذات جودة بسبب كبر حجم إبرتها.

وتفرض إسرائيل حصارًا على قطاع غزة، منذ فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالانتخابات البرلمانية عام 2006، ثم شددته منتصف العام التالي.

وفي حالة أخرى، ينشغل الطفل أحمد أبو طاحون (13 عامًا) في وضع المطهرات على إبهام يده، استعداداً لإجراء فحص معدل السكر في دمه.

وبصوت ضعيف، يقول الطفل الذي يتعرض لحالات إغماء لعدة أيام بشكل شبه مستمر "أشعر دائماً بألم في معدتي ورأسي، أحب أن ألعب مع أصدقائي، لكن لا أستطيع".

ويضيف الصغير وقد بدا هزيلاً جدًا "لقد تحول جزء من رمش عيني اليسرى للون الأبيض بسبب المرض، هكذا قال الطبيب، وتراجع مستواي العلمي في المدرسة".

وأصيب أبو طاحون بمرض السكري عندما كان في الرابعة من عمره، ويدخل كثيرًا في غيبوبة ارتفاع السكر، كما تقول والدته رانية، حيث يفقد الوعي لعدة أيام مما يضطره للمكوث في غرفة العناية المكثّفة في المشفى.

وتتابع الأم "أحمد لديه غذاء خاص يجب أن يتناوله، وهذا لا يتوفر دائماً، بسبب وضعنا الاقتصادي السيئ، فزوجي الذي يعمل سائقًا لإحدى الجمعيات يتقاضى راتبًا شهريًا يقدر بـ250 دولارا، وهو ثمن علب الشرائح شهريًا" متسائلة "كيف سأوفر باقي الاحتياجات والفيتامينات لأحمد، ومتطلبات المنزل الأخرى؟".

وتشير كذلك إلى أن طفلها يحتاج إلى خمس علب (العلبة فيها 25 قطعة) من شرائح فحص السكر شهريًا، تتراوح قيمة الواحدة منها ما بين 15 وعشرين دولارا.

عوني شويخ، أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية حيفا التي تهتم بأطفال السكري بقطاع غزة، يصف واقع هؤلاء الأطفال بـ "المرير والمتردي" على الصعيد الطبي والتوعوي والتثقيفي. ووفق شويخ، يعاني الأطفال من عدم قدرة ذويهم على توفير أجهزة فحص السكر وشرائحه، بالإضافة إلى عدم توفر حقن الإنسولين ذات الجودة.

أحمد أبو طاحون أصيب بمرض السكري عندما كان في الرابعة من عمره ويدخل كثيرًا في غيبوبة ارتفاع السكر كما تقول والدته (الأناضول)

ضعف الإمكانيات
وتقدم الجمعية خدماتها للأطفال المرضى، من خلال تبرع بعض فاعلي الخير، وبعض المؤسسات، سواء محليًا أو دوليًا، وفق القائمين عليها.

وتقول الجمعية إن عدد الأطفال المصابين بمرض السكر، في قطاع غزة، يبلغ قرابة 1500 طفل، لكنها لا تقدم خدماتها سوى لمئتي طفل فقط، بسبب ضعف الإمكانيات.

من جهته، يرى جميل البهنساوي، رئيس قسم الغدد الصماء في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي التخصصي للأطفال، أن المرضى يواجهون خطورة حقيقية جراء نقص الشرائح والإنسولين.

ويقول البهنساوي إن عدم قدرة معظم الأهالي على شراء شرائح فحص السكر باستمرار، بسبب الفقر، يشكل خطورة على حياة أبنائهم، حيث يغامرون بإعطائهم جرعات الإنسولين دون إجراء اختبار لفحص نسبة السكر في دمهم.

ويؤدي تناول جرعة الإنسولين، دون إجراء الفحص، إلى إدخال المريض في حالة غيبوبة، وفق البهنساوي الذي ذكر أن عدد الأطفال المرضى بالسكري المسجلين لديهم في المستشفى بلغ 150 طفلا، تتراوح أعمارهم بين شهرين و12 عامًا.

وتعاني وزارة الصحة الفلسطينية، في قطاع غزة، من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية. وتقول إن نسبة النقص في قائمة الأدوية الأساسية وصلت 30%، والمستهلكات الطبية 55%، وإن ما يزيد على 10% منها مهددة بالنفاد.

المصدر : وكالة الأناضول