سارة كيم*

على مدى آلاف السنين كان الأطفال الرضع يتغذون في بعض الأحيان على حليب ثدي أم أخرى، وسواء لضمان بقاء الرضيع بعد وفاة أو مرض أمه، أو كجزء من تقليد المرضعة -وهو التقليد الشائع بين الأسر ذات المكانة الاجتماعية المرتفعة في بعض الثقافات- كانت مشاركة حليب الثدي ممارسة مقبولة لفترة طويلة وإن لم تكن منقذة للحياة.

لكن على مدى السنوات الخمس إلى العشر الأخيرة ظهر نوع جديد من اقتصاد مشاركة الحليب على الإنترنت، مما يؤدي لتضخيم مخاطر تهدد صحة الرضع المتلقين للحليب.

والآن هناك العديد من المواقع على شبكة الإنترنت التي تقوم بالربط بين النساء المرضعات اللاتي لديهن فائض من الحليب والأمهات اللاتي يطلبنه بسبب عدم قدرتهن على تلبية احتياجات أطفالهن، وفي عام 2011 سجلت أكثر من 13 ألف امرأة على مثل هذه المواقع بهدف توفير الحليب أو الحصول عليه سواء بالمجان أو بمقابل، واليوم ارتفع هذا الرقم إلى 55 ألف امرأة.

علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن هذه المواقع كانت حتى الآن هي الأكثر شعبية في الولايات المتحدة فإنها بدأت تظهر في العديد من البلدان الأخرى، وبطبيعة الحال ربما يتقاسم عدد أكبر من النساء الحليب -ليس عن طريق شبكة الإنترنت- مع صديقات أو قريبات أو معارف.

وربما يمكننا تفسير الطفرة الأخيرة في مشاركة الحليب بتحول المواقف تجاه الرضاعة الطبيعية في العديد من البلدان، حيث ترسل أوساط الصحة العامة والدوائر الطبية رسالة مفادها أن الرضاعة الطبيعية هي الخيار الأفضل للأطفال الرضع، وهي الرسالة التي استقبلها جيل الألفية بحماس.

الحليب البشري الخام من الممكن أن يحمل أمراضا معدية مثل فيروس نقص المناعة البشرية، والزهري، والتهاب الكبد

إقبال
نجد اليوم أن الأمهات في الولايات المتحدة أصبحن أكثر ميلا إلى الإرضاع الطبيعي من أي جيل سابق منذ الحرب العالمية الثانية، حيث يتلقى 79% من الأطفال الرضع الرضاعة الطبيعية مرة واحدة على الأقل.

وفي أيامنا هذه تتحدث العديد من الأمهات الشابات عن شعورهن بضغوط اجتماعية قوية -ناهيك عن الضغوط الذاتية- تدفعهن إلى توفير الرضاعة الطبيعية لأطفالهن كجزء من نهج "طبيعي بالكامل" في تربية الأطفال، وهو النهج الذي يتجنب ألبان الرضع البديلة التي تنتجها شركات "غير جديرة بالثقة".

والمشكلة هي أن العديد من النساء يجدن صعوبة في الرضاعة الطبيعية، ويفتقرن إلى القدرة على الحصول على دعم الرضاعة العالي الجودة في الوقت المناسب ويواجهن مطالب ثقيلة -خاصة في العمل- تجعل الاستمرار في الرضاعة الطبيعية أمرا صعبا، وهذه هي العوامل التي ربما تدفع بعض النساء للجوء إلى مشاركة الحليب، وهي العملية التي كثيرا ما تعمل وسائل الإعلام الاجتماعية على تيسيرها.

والمشكلة هي أن عامة الناس يفتقرون إلى الفهم الكافي للمخاطر والفوائد المترتبة على مشاركة الحليب، فقد أعطت رسائل الصحة العامة بعض النساء انطباعا مفاده أن الحليب البشري مادة لا تشوبها شائبة، وكثيرا ما توصف في مجتمعات الرضاعة الطبيعية على شبكة الإنترنت بمصطلحات مثل "الذهب السائل".

لكن الحليب البشري الخام من الممكن أن يحمل أمراضا معدية مثل فيروس نقص المناعة البشرية، والزهري، والتهاب الكبد، ومن الممكن أن تؤدي البكتيريا المسببة للأمراض مثل السالمونيلا وبكتيريا القولون إلى الإصابة بأمراض تنقل عن طريق الغذاء، وإذا كانت المرأة المرضعة تستخدم عقاقير طبية موصوفة أو أخرى فإن حليب ثديها من الممكن أن ينقل نواتج أيض العقاقير، وبطبيعة الحال من الممكن أن تلجأ بعض بائعات حليب الثدي إلى غش منتجاتهن لزيادة الكمية والأرباح.

وفي عام 2010 حذرت إدارة الأغذية والأدوية في الولايات المتحدة الجمهور من تغذية الرضع بحليب من مصادر غير مألوفة، مستشهدة بسلسلة من المخاطر التي أكد فريقي البحثي الكثير منها منذ ذلك الوقت.
ثلاثة أرباع عينات الحليب التي اشترتها الكاتبة وفريقها البحثي عبر الإنترنت كانت شديدة التلوث بالبكتيريا حتى أنها لم تكن آمنة لتغذية رضيع من دون بسترتها أولا، وعلاوة على ذلك كانت نحو 21% من العينات تحتوي على فيروسات مضخمة للخلايا

تلوث خطير
والواقع أن ثلاثة أرباع عينات الحليب التي اشتريناها عبر الإنترنت كانت شديدة التلوث بالبكتيريا حتى أنها لم تكن آمنة لتغذية رضيع من دون بسترتها أولا، وعلاوة على ذلك كانت نحو 21% من العينات تحتوي على فيروسات مضخمة للخلايا، والتي من الممكن أن تؤدي إلى ضعف النمو العصبي لفترة طويلة في الأطفال الرضع المعرضين للإصابة بها، وكانت واحدة من كل عشر عينات تحتوي على كميات كبيرة من الإضافات من حليب البقر أو الألبان الصناعية.

بيد أن إدارة الأغذية والأدوية لم تتخذ رغم هذا الخطوات اللازمة لتنظيم تبادل الحليب البشري، ومن الواضح أن نهج "على الشاري أن يتوخى الحذر" ليس كافيا ببساطة لحماية الأطفال الرضع الذين يتغذون على الحليب المشترك، فما لم تكن تمتلك مختبرا في مطبخك لن يكون بوسعك أن تعرف على وجه اليقين أن ما تحصل عليه هو في حقيقة الأمر حليب صحي وبشري 100%.

وحتى إذا كان بوسع الآباء أن يختاروا مانحات الحليب الموفورات الصحة فإن الفوائد المترتبة على مشاركة الحليب تظل محل شك، والواقع أن الأدلة العلمية القائمة للتأكيد على فوائد حليب الثدي وأفضليته على ألبان الأطفال نشأت عن دراسات تفترض أن الأمهات يرضعن أطفالهن من أثدائهن، ونحن لا نعرف ما إذا كانت هذه النتائج صحيحة بنفس القدر عندما يتغذى طفل رضيع على حليب أم أخرى باستخدام زجاجة.

على هذا، وعلى الرغم من أن الرضاعة الطبيعية تظل هي الاختيار الأفضل للأمهات القادرات فإن التركيز الضيق الأفق السائد اليوم على الرضاعة الطبيعية من الممكن أن يؤدي إلى تأثيرات عكسية ضارة وذلك على الأقل في البلدان المتقدمة حيث البدائل الآمنة متاحة.

ففي بلدان مثل الولايات المتحدة تضمن القواعد التنظيمية القوية قدرة الأمهات غير القادرات على إرضاع أطفالهن بشكل طبيعي على الحصول على ألبان الأطفال الرضع الآمنة والمغذية قدر الإمكان، استنادا إلى معرفة علمية قائمة، ناهيك عن مياه الشرب النظيفة المستخدمة لتجهيزها.

الأدلة العلمية القائمة للتأكيد على فوائد حليب الثدي وأفضليته على ألبان الأطفال نشأت عن دراسات تفترض أن الأمهات يرضعن أطفالهن من أثدائهن، ونحن لا نعرف ما إذا كانت هذه النتائج صحيحة بنفس القدر عندما يتغذى طفل رضيع على حليب أم أخرى باستخدام زجاجة

توعية
وحيثما تكون الرضاعة الطبيعية شديدة الأهمية -وفي كثير من الأحيان بأي وسيلة ضرورية- فإن هذا يكون في بيئات حيث ألبان الأطفال البديلة أو المياه النظيفة غير متاحة، أو باهظة الثمن، أو لا يمكن الاعتماد عليها.

هذا لا يعني أن الأمهات في البلدان المتقدمة اللاتي يناضلن لتلبية احتياجات أطفالهن لا بد أن يلجأن بالضرورة إلى ألبان الأطفال البديلة، بل على العكس من ذلك تستطيع الحكومة أن تتخذ خطوات مثل تشجيع سياسات محل العمل الأكثر مرونة، بما في ذلك تحسين خيارات إجازات الأمومة والأبوة، وتوسيع إتاحة دعم الرضاعة العالي الجودة، وذلك للمساعدة على ضمان تمكين الأمهات اللاتي يرغبن في إرضاع أطفالهن طبيعيا من القيام بذلك.

وعلاوة على ذلك لا بد أن تعمل حملات الصحة العامة على توسيع رسالتها بحيث تشمل دعم النساء اللاتي يناضلن لإرضاع أطفالهن طبيعيا، ويتضمن هذا مساعدة النساء على الشعور بقدر أكبر من الارتياح في السعي إلى الحصول على دعم الرضاعة في وقت مبكر، وإدراك حقيقة مفادها أن بعض النساء لن يكن قادرات على إشباع احتياجات أطفالهن من التغذية بحليبهن فقط، وأنه لا ينبغي لنا أن نشعرهن بالذنب لاستخدامهن ألبان الأطفال البديلة.

وينبغي لأطباء الأطفال أن يعكفوا على تعزيز هذه الرسائل لمساعدة الأسر على اتخاذ القرارات الخاصة بالتغذية والتي تضع في الاعتبار الاحتياجات الخاصة لكل من الأم والطفل، والواقع أن الوعي بانتشار مشاركة الحليب، والاستعداد لتعزيز مناقشة مفتوحة حول هذه الممارسة من الممكن أن يقطعا بنا شوطا كبيرا نحو تحقيق هذه الغاية.
_______________
* أستاذة طب الأطفال وعلم الأوبئة في جامعة ولاية أوهايو، وهي كبيرة الباحثين الاستقصائيين لدى مستشفى أطفال كل الأمة في كولومبوس بولاية أوهايو.

المصدر : بروجيكت سينديكيت