طالما كانت حمرة الخجل التي تضفي لونا ورديا على وجنات المرأة مثار إعجاب الشعراء، لكن الأمر قد يتحول إلى مشكلة مرضية تعرقل الحياة الاجتماعية والوظيفية للشخص المصاب بها، ويمكن أن تساعد بعض الطرق العلاجية في تقليل حجم المشكلة.

احمرار وجه المدير أثناء اجتماع عمل مسألة محرجة للغاية وكفيلة بأن يفقد احترامه بين موظفيه، كما أنها تقلل من الثقة بالذات وتؤدي إلى الانطواء وقد تصل إلى رغبة في عدم الخروج من المنزل نهائيا.

وتتطور المشكلة في بعض الأحيان لدرجة أنها تصبح بحاجة إلى علاج نفسي وذلك عندما تعيق الشخص الذي يعاني منها من قبول وظيفة معينة أو مقابلة بعض الأشخاص خوفا من احمرار وجهه، وهو ما يعرف في علم النفس باسم الإيرتوفوبيا أو "رهاب احمرار الوجه".

ومن أهم أعراض هذه المشكلة الانطواء والخوف من قبول ترقية وظيفية مثلا، خوفا من التعرض لمواقف محرجة كما توضح سامية هيرتلينغ -من معهد الطب النفسي بجامعة دريسدن التقنية- في تصريحات نقلها موقع "أبوتيكين أومشاو" الألماني.
 
ووفقا للموقع المذكور، يحاول من يعانون من هذه المشكلة تجنب التواصل الاجتماعي مع البشر وأحيانا يصل الأمر بهم لدرجة الهلع من أي محادثات طويلة، وأحيانا يتطور الوضع لدرجة أن من يعاني من هذه المشكلة يرفض الخروج من بيته على الإطلاق.

عندما يشعر الشخص بالتوتر والخوف من مواجهة الناس فإن هذا يؤثر بسرعة على الجهاز العصبي الذي يتحكم في اتساع الأوعية الدموية في الوجه بشكل ملحوظ وهو ما يزيد من درجة احمراره

اختلاف
وتختلف معاناة المرأة والرجل من مشكلة رهاب احمرار الوجه، فالمرأة تميل للهروب إلى فكرة الدور التقليدي لها والبقاء في المنزل أغلب الوقت، أما الرجل فيعاني من صراع داخلي أكبر بين رغبته في تجنب الاحتكاك بالبشر وبين اضطراره لأداء دوره التقليدي الذي يناسب الصورة المعروفة عنه المتمثلة في أنه المسؤول عن أسرة والذي يجب أن يكون في صورة الشخص الناجح في عمله دائما.

وغالبا ما تبدأ مشكلة رهاب احمرار الوجه من فترة الطفولة أو المراهقة، وأحيانا يكون ضحك الأطفال على زميلهم في المدرسة الذي يحمر وجهه سريعا أحد أهم أسباب استمرار هذه المشكلة وتطورها حتى بعد الخروج من مرحلة الطفولة والمراهقة.

ويعتبر احمرار الوجه سريعا مسألة طبيعية للغاية في فترة الطفولة، لكن إذا تصادف هذا الأمر مع طفل تتمتع بشرته بخصائص معينة، مما يجعل الاحمرار يظهر عليها بقوة فإن فرصة تعرضه للسخرية من قبل زملائه تزيد وبالتالي تتفاقم المشكلة.

ويدخل صاحب المشكلة عادة في دائرة مفرغة، فعندما يطلب منه مثلا إلقاء محاضرة على زملائه في الفصل أو الحديث أمام مجموعة كبيرة من الزملاء في العمل بعد ذلك فإنه ينشغل بخوفه من أن يحمر وجهه من الخجل وبالتالي يفقد تركيزه في ما ينبغي أن يقوله، وهو ما يزيد من السخرية التي يتعرض لها.

وعندما يشعر الشخص بالتوتر والخوف من مواجهة الناس فإن هذا يؤثر بسرعة على الجهاز العصبي الذي يتحكم في اتساع الأوعية الدموية في الوجه بشكل ملحوظ، وهو ما يزيد من درجة احمراره.

غالبا ما تبدأ مشكلة رهاب احمرار الوجه من فترة الطفولة أو المراهقة (غيتي)

تأمين الذات
وتختلف طرق الناس في التعامل مع هذه المشكلة، فبعض النساء مثلا يعتمدن على الماكياج الكثيف لإخفاء احمرار الوجه، والبعض يلجأ إلى حمامات الشمس للحصول على لون داكن للبشرة لا يمكن معه ملاحظة الاحمرار بقوة، ويتجنب بعض المصابين بهذه المشكلة النظر في عيون الناس حين يتكلمون معهم، في حين يلجأ البعض إلى نظارة شمسية كبيرة مع إطلاق اللحية وارتداء الوشاح حول الرقبة لتغطية أكبر قدر ممكن من الوجه.

وترى الطبيبة هيرتلينغ أن هذه التصرفات بمثابة إستراتيجية لتأمين الذات، وتقول إن هذه الأمور تساعد على المدى القصير، وهي تغرس في الشخص الاعتقاد أن هذه هي الطريقة لتجاوز المواقف المحرجة، لكنها تنطوي على خطورة الاعتماد النفسي التام على هذه الإستراتيجيات التي تترك انطباعا لدى المحيطين بهذا الشخص بأنه يرتدي قناعا. 

وتعتبر المواجهة من أهم طرق علاج هذه المشكلة، إذ يقوم المعالج النفسي بتسجيل لقطات فيديو للشخص أثناء مواقف يومية مثل دفع الحساب في المتجر على سبيل المثال، وتساعد هذه الطريقة على أن يرى الشخص التأثير السلبي لعدم النظر في عيون الناس أثناء الحديث معهم، كما أنها طريقة مثالية يتأكد من خلالها الشخص أن احمرار وجهه ليس بالسوء الذي يعتقده كما تقول هيرتلينغ.

وتعتمد الآلية الأساسية في العلاج على تعليم الشخص تجنب الوصول لدرجة احمرار الوجه، وذلك عن طريق التعامل الهادئ وغير المتوتر مع المواقف الصعبة، وهي مسألة رغم صعوبتها فإنها فعالة.

المصدر : دويتشه فيلله