مخاطر التسميات الخاطئة للمواد الكيميائية
آخر تحديث: 2015/6/6 الساعة 21:05 (مكة المكرمة) الموافق 1436/8/19 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/6/6 الساعة 21:05 (مكة المكرمة) الموافق 1436/8/19 هـ

مخاطر التسميات الخاطئة للمواد الكيميائية

عبوة بلاستيكية كتب أسفلها عبارة "خالٍ من مادة (BPA)" (رويترز)
عبوة بلاستيكية كتب أسفلها عبارة "خالٍ من مادة (BPA)" (رويترز)

هنري ميلر*

إن أعدادا متزايدة من المستهلكين الذين يفترض أنهم واعون صحيا يختارون منتجات تحمل علامة "خالٍ من" بدءا بالبلاستيك الخالي من مادة (BPA) إلى الأطعمة غير المعدلة وراثيا، لكن مثل هذه العلامات والتسميات لا تزيد السلامة العامة بل على العكس من ذلك.

فالأمر ليس فقط أن العديد من المكونات التي تحمل أسماء مخيفة تكون في واقع الأمر آمنة تماما، بل إن المصنعين في تعجلهم لتلبية الطلب الاستهلاكي يستبدلون مكونات أو عمليات أدنى أو حتى أكثر ضررا بالمادة الآمنة ذات "الاسم المخيف".

ويقع اللوم في هذا الموقف على الناشطين ووسائل الإعلام الإخبارية الذين يعملون على تأجيج مخاوف عامة الناس بلا مبرر، لكن دراسة أكاديمية حديثة توضح كيف يعمل المصنعون من خلال لفت الانتباه إلى ما يحذفونه من منتج ما على إدامة مخاوف زائفة تدفع المستهلكين في واقع الأمر إلى خوض مخاطر صحية أعظم.

تستكشف الدراسة عبر عدسة تسمية المنتجات في الأساس كيف يقيم الناس مخاطر مادة "البيسفول أي" (BPA) -وهي المادة الكيميائية التي تستخدم بشكل شائع لتصليب البلاستيك ومنع نمو البكتيريا في المعلبات الغذائية- مقارنة ببدائلها.

وقد وجدت الدراسة أن "الناس يتخذون موقفا، حيث يتم التقليل من أهمية الدليل العلمي من خلال الدخول في جدال أشبه بموقف، في وقت لا توجد فيه أدلة علمية على الإطلاق". بعبارة أخرى، بسبب وجود تساؤلات حول مدى سلامة مادة "البيسفول أي" تغاضى الناس عن الدليل العلمي بالكامل.

الواقع أن المخاوف بشأن مادة "البيسفول أي" كان من الواجب أن تهدأ منذ فترة طويلة، فقد خلصت سنوات من البحث والتقييم المتكرر من قبل هيئات تنظيمية حكومية -بما في ذلك تقييم جرى في وقت سابق من هذا العام بواسطة هيئة سلامة الغذاء الأوروبية- إلى أن هذه المادة آمنة في الاستخدامات الطبيعية، أي أن إزالتها من الطبقة المبطنة للمعلبات ربما تشكل تهديدا لصحة المستهلكين بزيادة الأمراض التي تحملها الأغذية بسبب البكتيريا القاتلة مثل كلوستريديوم البوتولينوم (Clostridium botulinum) التي تؤدي إلى الإصابة بالتسمم الغذائي.

لم يكتشف أغلب الناس وجود مادة "البيسفول أي" إلا عندما رأوا ملصقات تقول "خالٍ من مادة (البيسفول أي)" على قوارير في متاجر محلية، لكن هذا الملصق يخلف تأثيرا عميقا، فهو يبعث رسالة لا لبس فيها مفادها أن هذه المادة تشكل خطرا صحيا، فإذا لم تكن كذلك فما الذي قد يدفع الصانع إلى استبعادها من منتجاته، بل والإشارة أيضا إلى أنه فعل ذلك؟

ما لا يعلمه المستهلكون هو أن مادة "البيسفول أي" يستعاض عنها غالبا بمواد كيميائية أخرى أقل إخضاعا للدراسة وبالتالي فإن تأثيراتها الصحية تكاد تكون غير معلومة، وربما يتبين أنها أسوأ من المادة الأصلية

أسوأ
تشير الدراسة إلى أن ما لا يعلمه المستهلكون هو أن مادة "البيسفول أي" يستعاض عنها غالبا بمواد كيميائية أخرى أقل إخضاعا للدراسة وبالتالي فإن تأثيراتها الصحية تكاد تكون غير معلومة، بل وربما يتبين أنها أسوأ من المادة الأصلية.

ورغم هذا ينصب تركيز الناس على ملصق "خالٍ من مادة "البيسفول أي" إلى الحد الذي يجعلهم يتقبلون بدائل من المحتمل أن تكون مؤسفة"، ويعرضون أنفسهم لمواد كيميائية ربما كانوا سيرفضونها لولا ذلك.

وتواجه الكائنات المعدلة وراثيا وصمة عار مماثلة، وهي الوصمة التي أجبرت شركات إنتاج الأغذية الأميركية العملاقة مثل "جنرال ميلز" و"بوست فوودز" على إزالة الكائنات المعدلة وراثيا من العديد من منتجاتها الغذائية الشهيرة.

وفي السعي إلى تلبية الطلب الاستهلاكي اضطر المصنعون إلى اتخاذ بدائل مؤسفة، أو على وجه التحديد تسويق منتجات تفتقر إلى بعض الفيتامينات المضافة، ومن عجيب المفارقات أنهم من أجل إرضاء عملائهم بدؤوا يقدمون منتجات رديئة بأسعار أعلى.

تسرع
لا شك في أن المستهلك ليس الطرف الوحيد الذي تؤدي عدم دراسته الوافية للحقائق إلى نشوء بدائل مؤسفة، فالحكومات أيضا تتخذ قرارات متسرعة وعنيدة تحرم المستهلك من الاختيار.
عندما يسمح المصنعون وتجار التجزئة بتوجيه قراراتهم تحت الضغوط من الناشطين -وليس الأدلة العلمية- فإنهم يخاطرون بإثارة استياء المستهلك وعدم رضاه في نهاية المطاف، فضلا عن الدعاوى القضائية المحتملة نتيجة الأضرار

ولنتأمل هنا القرار الذي حركته دوافع سياسية والذي اتخذه الاتحاد الأوروبي بحظر المبيد الحشري الأحدث والأكثر تطورا وهو "النيونيكوتينويدس"، والآن بدأ المزارعون الأوروبيون الذين اضطروا للجوء إلى مبيدات حشرية أقدم وأكثر سمية وأقل فعالية -وأولها البيريتويدات التي تم التخلص منها تدريجيا إلى حد كبير- يشاهدون عودة الحشرات الضارية التي تلتهم محاصيلهم.

وقد يؤدي هذا الضرر إلى انخفاض بنسبة 15% في محصول هذا العام من الكانولا، وهو المصدر الرئيسي في القارة للزيوت النباتية المستخدمة في المواد الغذائية والديزل الحيوي.

والواقع أن هذه النتائج تنطوي على دروس مهمة ينبغي لنا أن نتعلمها، فأولا عندما يسمح المصنعون وتجار التجزئة بتوجيه قراراتهم تحت الضغوط من الناشطين -وليس الأدلة العلمية- فإنهم يخاطرون بإثارة استياء المستهلك وعدم رضاه في نهاية المطاف، فضلا عن الدعاوى القضائية المحتملة نتيجة الأضرار، وعلى نحو مماثل ينبغي لصناع القرار أن يؤكدوا على العلم قبل السياسة.

وينبغي على عامة الناس أيضا أن يلعبوا دورا بالغ الأهمية في الحفاظ على قدر من التشكك الصحي في التعامل مع مزاعم "المدافعين عن المستهلك" من ذوي المصالح الخاصة.

إن وضع العلم أولا الآن هو أفضل وسيلة نضمن بها نحن كمستهلكين عدم الوقوع في الندم في وقت لاحق.
_______________
* طبيب وعالم الأحياء الجزيئية، وزميل الفلسفة العلمية والسياسة العامة في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، وهو مؤسس ومدير مكتب التكنولوجيا الحيوية في وزارة الأغذية والدواء الأميركية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات