خوسيه جراتسيانو دا سيلفا*

على مدى عدة سنوات ماضية أصبح الوقود الحيوي موضوع خلاف، فيرى البعض أن استخدام مادة عضوية لإنتاج مصدر للطاقة المتجددة يكاد يشبه العصا السحرية في مكافحة تغير المناخ الذي له مخاطر صحية كبيرة على الأفراد والمجتمعات دعت الأسبوع الماضي خبراء في مجلة لانسيت الطبية إلى التحذير من أن الخطر الذي يمثله تغير المناخ على صحة الإنسان كبير بدرجة قد تقوض مكاسب التنمية والصحة التي تحققت على مستوى العالم خلال نصف القرن الماضي.

من ناحية أخرى، يرى آخرون في الوقود الحيوي تهديدا وجوديا، لأن النباتات المستخدمة لصنع الوقود الحيوي تنافس على الأراضي الزراعية والمياه التي كانت ستستخدم لولا ذلك في زراعة المحاصيل الغذائية.

ولكن هذا التقسيم زائف، فمن غير الممكن أن نختار بين الغذاء والوقود، بل نستطيع أن نستفيد من الاثنين معا في ظل الظروف المناسبة، إذ من الممكن أن يشكل الوقود الحيوي وسيلة فعالة لزيادة الأمن الغذائي من خلال تزويد المزارعين الفقراء بمصدر مستدام للطاقة وبأسعار في متناولهم.

ففي بعض البلدان الأفريقية غير الساحلية تعادل أسعار البنزين ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، الأمر الذي يجعل أسعار الوقود واحدة من العقبات الرئيسية التي تعوق النمو الزراعي، وتوسيع نطاق استخدام الوقود الحيوي في هذه المناطق من الممكن أن يعمل على تعزيز الإنتاجية وخلق فرص عمل جديدة، خاصة في المناطق الريفية، بل قد يكون التأثير أعظم إذا تم استخدام الأسر المزارعة وصغار المنتجين لتلبية الطلب الإضافي الذي يخلقه الوقود الحيوي على المواد الأولية.

لقد أصبح الوقود الحيوي حقيقة من حقائق الحياة، ومن المتوقع أن يستمر استخدامه في الزيادة بشكل مطرد، ففي عام 2013 كان يمثل 3% من إجمالي وقود النقل المستخدم في مختلف أنحاء العالم، وذلك وفقا لتقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة التعاون الاقتصادية والتنمية، ورغم أن هذه النسبة من المتوقع أن تظل ثابتة فإن بوسعنا مع ذلك أن نتوقع نمو إنتاجه من حيث القيمة المطلقة مع توسع السوق العالمية لوقود النقل أيضا.

إنتاج الوقود الحيوي العالمي من المتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2023 مقارنة بمستواه في عام 2007

تضاعف
والواقع أن إنتاج الوقود الحيوي العالمي من المتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2023 مقارنة بمستواه في عام 2007، وإذا تحقق هذا التوقع فإنه سوف يستهلك 12% من الحبوب الخشنة، و28% من قصب السكر، و14% من زيوت الخضراوات على مستوى العالم.

ومع نمو إنتاج أشكال الوقود هذه فسوف نكون في احتياج إلى سياسات وبرامج وقدرات تضمن استخدامها على نحو مستدام، ومن دون تشويه أسواق المواد الغذائية أو تعريض الأمن الغذائي للخطر الذي سوف يكون دوما الأولوية الأولى.

ربما يفاجأ رواد الوقود الحيوي إزاء ضآلة إسهامهم في مجموع المعروض من الوقود العالمي اليوم، وقد كان أول محرك من اختراع رودلف ديزل والذي صممه في أواخر القرن الـ19 يعمل بحرق الوقود المستخرج من زيت الفول السوداني، وكان هنري فورد ذات يوم يستكشف ولاية فلوريدا على أمل شراء مساحات من الأراضي لزراعة قصب السكر انطلاقا من اقتناعه بأن الولايات المتحدة لن تتسامح مع التلوث الناجم عن حرق الوقود الأحفوري أو التبعية الكامنة في استيراد النفط لإنتاج البنزين.

وفي العقود الأخيرة فقط استعاد الوقود الحيوي جاذبيته الأصلية، وذلك في ظل الجهود الرامية إلى تأمين الطاقة بأسعار معقولة، وتوليد الدخل، وتخفيف التبعية التي حذر منها فورد، ومؤخرا كانت المخاوف بشأن التلوث وتغير المناخ ومحدودية المتاح من الوقود الأحفوري سببا في دفع الطلب على الوقود الحيوي إلى الارتفاع، وهو الطلب الذي يحتاج إلى إدارته بشكل جيد.

وتشكل المرونة عنصرا بالغ الأهمية في الجهود الرامية إلى الاستفادة من الاعتماد المتزايد على مستوى العالم على الوقود الحيوي لتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتسريع عجلة التنمية الريفية، وتعزيز الأمن الغذائي.

على صناع السياسات أن يعملوا على نزع فتيل الضغوط التنافسية بين الغذاء والوقود من خلال تصميم خطط لمواجهة تقلبات أسعار المواد الغذائية الأساسية

نزع فتيل
على سبيل المثال، يتعين على صناع السياسات أن يعملوا على نزع فتيل الضغوط التنافسية بين الغذاء والوقود من خلال تصميم خطط لمواجهة تقلبات أسعار المواد الغذائية الأساسية، وبوسع السلطات أن تشترط زيادة نسبة الوقود الحيوي المخلوط بالوقود التقليدي عندما تنخفض أسعار المواد الغذائية، وخفض هذه النسبة عندما ترتفع أسعار المواد الغذائية.

وهذا من شأنه أن يخدم كشكل من أشكال تثبيت الاستقرار تلقائيا، وبهذا يتمكن المزارعون الفقراء من الاستمرار في الاستفادة من الطلب القوي على منتجاتهم حتى عندما تنخفض أسعار المواد الغذائية، وسوف يتمتع المستهلكون بالحماية ضد الزيادات السريعة أو المفرطة في الأسعار.

وينبغي للأهداف الوطنية أيضا أن تكون أكثر مرونة، فإذا تم تطبيق تفويضات استخدام الوقود الحيوي على مدى عدة سنوات بدلا من عام واحد فسوف يكون بوسع صناع السياسات التأثير على الطلب من أجل تخفيف الضغط على أسعار المواد الغذائية.

وأخيرا، على المستوى الفردي سوف تساعد زيادة المرونة أيضا، وذلك من خلال تشجيع اقتناء السيارات والمركبات المرنة التي تعمل بأكثر من نوع واحد من الوقود، والتي تستخدم بالفعل في البرازيل، فإذا تم تجهيزها بمحركات تعمل بالوقود الأحفوري التقليدي أو مزيج يحتوي على نسب عالية من الوقود الحيوي يصبح بوسع المستهلكين التكيف مع التغيرات في الأسعار عن طريق التحول بين هذا الوقود أو ذاك.

والحق أن إيجاد التوازن الصحيح لن يكون سهلا، ولكن من خلال تسخير معارفنا الجمعية، وإشراك صغار المزارعين في البلدان النامية في هذا الجهد، والحفاظ على تركيزنا على الحد من الفقر وحماية الضعفاء سوف يكون بوسعنا توفير المزيد من الوقود والطعام والرخاء للجميع.
_______________
* المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة

المصدر : بروجيكت سينديكيت