ياسين بودهان-الجزائر

في ظل تضارب الأرقام بشأن عدد الأطباء الجزائريين الذين هجروا بلادهم خلال العقدين الماضيين، هناك اتفاق على تعرض قطاع الصحة بالجزائر إلى نزيف في كوادره بسبب الهجرة بحثا عن ظروف اجتماعية ومهنية وأكاديمية أفضل.

وحسب تقرير صدر نهاية العام الماضي عن مجلس عمادة أطباء فرنسا، فإن عدد الأطباء الجزائريين الموجودين بفرنسا يمثلون نسبة 25% من مجموعة الكفاءات الطبية الأجنبية العاملة بهذا البلد، بتعداد قارب 5905 أطباء في مختلف التخصصات.

وبين التقرير ذاته أن نحو 27.7% من هؤلاء تخرجوا في المعاهد الطبية الجزائرية، بينما حصل 71.7% منهم على شهاداتهم من الجامعات الفرنسية.

ورغم أن بعض التقارير الجزائرية تؤكد أن الأزمة الأمنية التي عرفتها البلاد خلال فترة التسعينيات كانت السبب الأكبر لهجرة هؤلاء، فإن التقرير ذهب عكس ذلك حينما أكد أن نسبة المهاجرين خلال تلك الفترة لم تتجاوز 14%.

وخلال ندوة صحفية عقدت مؤخرا، كشف المكلف بالعلاقات الخارجية في البرلمان الجزائري جمال بوراس أن عدد أبناء الجالية الجزائرية من الأطباء العاملين في فرنسا بلغ 16 ألف طبيب في مختلف التخصصات.

مرابط: الظروف المادية والاجتماعية هي السبب الأبرز لظاهرة الهجرة (الجزيرة)

فرنسا
ورغم أن فرنسا تعتبر البلد الأكثر استقطابا للكوادر الطبية الجزائرية لعدة اعتبارات متعلقة بالجغرافيا والتاريخ، فإن دولا أخرى، وخاصة كندا، كان لها نصيب في الاستفادة من هؤلاء الأطباء الذين تحملت الجزائر تكاليف تكوينهم ولم تستفد من عطائهم.

وتحصي نقابة العاملين في الصحة العمومية أكثر من عشرة آلاف طبيب في أوروبا، ونحو 2500 طبيب في أميركا الشمالية وبشكل خاص كندا، التي تستقطب الأطباء الجزائريين ضمن برنامج الهجرة الانتقائية واستقطاب الكفاءات.

بالمقابل تستقطب دول خليجية أخرى مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت أعدادا كبيرة من الأطباء الجزائريين، وبالمجمل تحصي النقابة نحو 15 ألف كادر طبي بين الأطباء والكوادر شبه الطبية في تلك المنطقة.

ويرصد رئيس النقابة إلياس مرابط عدة أسباب للظاهرة، وحسب حديثه للجزيرة نت فإن الظروف المادية والاجتماعية هي السبب الأبرز لهذه الظاهرة، إذ قال إن أجرة الطبيب الجزائري أقل بكثير مقارنة بدول الجوار مثل المغرب وتونس، ولا تقارن مع ما يتقاضاه الطبيب في أوروبا.

وبين مرابط أن أجرة الطبيب العام في القطاع الحكومي لا تتجاوز مع بداية مساره المهني أربعمائة دولار، وكشف أن هؤلاء يشكلون نسبة ثلثي التعداد على مستوى الهيكلة والطاقم البشري في القطاع الحكومي.

رشدي بوعروري: ظروف العمل في المستشفيات الجزائرية لا تغري بالبقاء (الجزيرة)

أجور متدنية
أما الطبيب المتخصص فلا تتجاوز أجرته ستمائة دولار، وبعد ثلاثين سنة من المسار المهني -يقول مرابط- فإن هذه الأجور لا تتغير كثيرا، وتصل للطبيب العام إلى 800 دولار، ولا يتجاوز الطبيب المختص 1200 دولار.

وإلى جانب الظروف المهنية يؤكد مرابط أن الإطار الأكاديمي والعلمي الذي يتدرج فيه الطبيب الجزائري خلال مساره المهني سبب آخر للهجرة، كون هذا المسار غير واضح وتنعدم فيه الآفاق بالنسبة لبعض التخصصات، وهو ما يدفع بالبعض للهجرة من أجل تحسين مستواهم العلمي والأكاديمي.

وبصفته طبيبا مقيما بالجزائر، أكد الطبيب المختص في أمراض الدم رشدي بوعروري أنه ليس أكثر وطنية من زملائه الذين قرروا الهجرة لظروف قاهرة، خاصة خلال فترة التسعينيات حيث كانت البلاد تعيش على وقع أزمة أمنية واقتصادية كبيرة.

وبدل توجيه اللوم لهؤلاء يقول بوعروري "أقول للذين ينتقدونهم بسبب الهجرة ماذا وفرنا من أجل وقف نزيف هؤلاء نحو الخارج؟ وماذا قدمنا من أجل تحفيز هؤلاء على العودة وإخراج المنظومة الصحية مما تعانيه من مشاكل؟".

وبين بوعروري أن ظروف العمل في المستشفيات الجزائرية لا تغري بالبقاء، وكشف أن أبسط وسائل العلاج غير متوفرة، لذلك حتى لو أراد الطبيب تقديم كل ما لديه فلن يقدر لغياب الوسائل.

والطبيب الجزائري في الداخل -حسب بوعروري- يعاني من الناحية الاجتماعية بسبب الأجور المتدنية، مضيفا أن الأطباء الأجانب الذين يشتغلون بالجزائر يتقاضون أجورا أعلى بكثير من الجزائريين، وهي الأجور التي يقول إنها تصل إلى حدود أربعة آلاف دولار للطبيب المختص.

المصدر : الجزيرة