الفوائد الصحية المترتبة على مكافحة تغير المناخ
آخر تحديث: 2015/5/23 الساعة 13:47 (مكة المكرمة) الموافق 1436/8/5 هـ
اغلاق
خبر عاجل :القضاء اللبناني يحكم بالإعدام على مدانين باغتيال الرئيس الأسبق بشير الجميل
آخر تحديث: 2015/5/23 الساعة 13:47 (مكة المكرمة) الموافق 1436/8/5 هـ

الفوائد الصحية المترتبة على مكافحة تغير المناخ

الجسيمات العالقة تسببت في 1.23 مليون وفاة مبكرة في الصين عام 2010 (رويترز)
الجسيمات العالقة تسببت في 1.23 مليون وفاة مبكرة في الصين عام 2010 (رويترز)

باتريشيا جارسيا* وبيتر فان دن هيزل**

كثيراً ما ترى الحكومات أن تغير المناخ أكثر تكلفة من أن تتمكن من علاجه، والواقع أنه أكثر تكلفة من أن نتجاهله. ولهذا السبب ربطت منظمة الصحة العالمية -على سبيل المثال- منع تغير المناخ الكارثي بالفوائد الصحية المباشرة، وتوفير تكاليف الرعاية الصحية المترتبة على الحد من تلوث الهواء.

والواقع أن الإحصاءات قاتمة، فقد تسبب تلوث الهواء في أكثر من سبعة ملايين حالة وفاة مبكرة -أي واحدة من كل ثماني حالات على مستوى العالم- في عام 2012، مقارنة بنحو ستة ملايين حالة وفاة مبكرة بسبب التبغ.

وأحد أكبر أسباب الأذى الجسيمات الدقيقة التي تسمى (PM 2.5)، والتي يقل قطرها عن 2.5 ميكروميتر. فهذه الجسيمات تعيث فساداً لأنها تسافر إلى أعماق بعيدة داخل الرئتين، وتسهم في الإصابة بالالتهاب والسرطان وعدوى الجهاز التنفسي، أو تمر إلى مجرى الدم، حيث قد تتسبب في إحداث تغييرات في الأوعية الدموية، وتؤدي إلى الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.

ويُعَد احتراق الديزل والفحم من بين الأسباب الرئيسية وراء تلوث الهواء، إذ ترجع نحو 3.7 ملايين وفاة إلى الأبخرة في الهواء الطلق، و4.3 ملايين وفاة بسبب المساكن سيئة التهوية، كما أن وسائل النقل التي تعمل بمحركات مسؤولة الآن عن نصف الوفيات المبكرة الناجمة عن الجسيمات المحيطة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الـ34.

وتشكل الطاقة المولدة بإحراق الفحم أيضاً المصدر الرئيسي لثاني أكسيد الكربون، الغاز الرئيسي المسبب لظاهرة الانحباس الحراري، وبالتالي تغير مناخ الأرض، والذي يسبب نحو 150 ألف وفاة مبكرة سنوياً، ويهدد بمخاطر جسيمة في هذا القرن والذي يليه.

وفقاً لحسابات بحث أجري لصالح المفوضية العالمية للاقتصاد والمناخ العام الماضي، فإن الجسيمات العالقة وحدها تسببت في 1.23 مليون وفاة مبكرة في الصين عام 2010

صناعة الفحم
لا شك أن صناعة الفحم ساعدت المليارات من الناس في الإفلات من براثن الفقر، وخاصة في الصين، حيث كانت الطاقة المولدة بإحراق الفحم ركيزة لنمو يقرب من 700% في نصيب الفرد في الدخل منذ عام 1990، ولكن صحة الإنسان أصبحت عُرضة لخطر أعظم في البلدان التي تحرق المزيد من الفحم.

ووفقاً لحسابات بحث أجري لصالح المفوضية العالمية للاقتصاد والمناخ العام الماضي، فإن الجسيمات العالقة وحدها تسببت في 1.23 مليون وفاة مبكرة في الصين -الاقتصاد الأكثر استهلاكاً للفحم في العالم- عام 2010.

وتشير تقديرات عام 2012 إلى أن 88% من الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء تحدث في البلدان منخفضة إلى متوسطة الدخل، والتي تمثل 82% من سكان العالم. وتتحمل منطقة غرب المحيط الهادئ ومنطقة جنوب شرق آسيا عبء 1.67 مليون وفاة، و936 ألف وفاة، على التوالي.

ولكن التلوث يتفاقم ويحصد الأرواح في البلدان ذات الدخل المرتفع أيضا. على سبيل المثال تتسبب جسيمات (PM 2.5) في خفض متوسط العمر المتوقع في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي بنحو ثمانية أشهر، وكانت مع الأوزون مسؤولة عن 430 ألف وفاة مبكرة في بلدان الاتحاد الأوروبي عام 2011.

في بريطانيا، بعد أكثر من ستين عاماً من الضباب الدخاني الأكبر في عام 1952، لا تزال مستويات التلوث بجسيمات (PM 2.5) تتجاوز باستمرار المبادئ التوجيهية لمنظمة الصحة العالمية، وتبلغ التكاليف الصحية الناجمة عن تلوث الهواء في الاتحاد الأوروبي نحو 940 مليار يورو سنويا.

على الرغم من الأدلة الدامغة على المخاطر الصحية، فإن العديد من البلدان تتجاهل بشكل روتيني معايير جودة الهواء

أدلة
مؤخرا، قامت منظمة الصحة العالمية باستعراض الأدلة التي تؤكد التأثيرات الصحية المترتبة على تلوث الهواء، وقد تبين لها أن مدى هذه التأثيرات أوسع نطاقاً وتحدث عند مستويات تركيز أقل مما كان يعتقد سابقا.

وفضلاً عن التأثيرات المعروفة لتلوث الهواء على الرئة والقلب، تشير أدلة جديدة إلى تأثيرها الضار على نمو الأطفال، بما في ذلك الأجنة داخل الرحم. بل إن بعض الدراسات تربط بين تلوث الهواء والسكري، الذي يُعَد مرضاً مزمناً رئيسياً وتحدياً صحياً في إندونيسيا والصين والدول الغربية.

وعلى الرغم من الأدلة الدامغة على المخاطر الصحية، فإن العديد من البلدان تتجاهل بشكل روتيني معايير جودة الهواء، فضلاً عن رصد الانبعاثات اللازم لإنجاح التعاون الإقليمي الفعّال، وهو ما يرجع في الأساس لخوف الحكومات من التأثير الاقتصادي، وتتجاهل النماذج الاقتصادية التي يستخدمها المستشارون لصياغة إستراتيجيات التنمية وتروج لها جماعات الضغط للتأثير على القرارات بشأن مشاريع البنية التحتية الرئيسية والتكلفة البشرية المترتبة على تلوث الهواء والفوائد بعيدة الأمد المترتبة على التدابير الرامية إلى الحد من التلوث.

إن أي حل للمشاكل التي يفرضها تلوث الهواء لن يتطلب نماذج اقتصادية جديدة فحسب، بل وأيضاً تدابير متكاملة من قِبَل الحكومات المحلية والوطنية والدولية. فسوف يتطلب خفض الانبعاثات الناجمة عن وسائل النقل الحضرية -على سبيل المثال- العمل الجماعي من قِبَل محافظي المدن والمخططين وصناع السياسات الوطنية من أجل تحقيق التنمية المتكاملة.

وما يدعو إلى التفاؤل أن الدعم الحكومي للتحركات الفعّالة آخذ في التزايد، فقد أصبحت قضية تلوث الهواء على رأس الأجندة المحلية في الصين، في أعقاب الضباب الدخاني الخانق الذي اجتاح مدنها الكبرى في يناير/كانون الثاني 2013، والفيلم الوثائقي الذي أخرجه تشاي جينج مؤخراً (بالإضافة إلى ظاهرة وسائل الإعلام الاجتماعية) بعنوان تحت القبة"، والذي كشف التأثيرات الصحية الكارثية المترتبة على تلوث الهواء.

الحكومة الصينية أغلقت بعضاً من أكثر محطات توليد الطاقة قذارة في البلاد، الأمر الذي أدى إلى انخفاض استهلاك الفحم العام الماضي للمرة الأولى منذ عام 1998

قرار
والواقع أن الحكومة الصينية أغلقت بعضاً من أكثر محطات توليد الطاقة قذارة في البلاد، الأمر الذي أدى إلى انخفاض استهلاك الفحم العام الماضي للمرة الأولى منذ عام 1998.

ويشير مشروع قرار صادر مؤخراً بشأن تلوث الهواء والصحة عن جمعية الصحة العالمية (الهيئة الإدارية لمنظمة الصحة العالمية) إلى أن الدول يتعين عليها أن "تؤكد" على الارتباط بين تلوث الهواء وتغير المناخ، وينبغي للدول أن تتبنى المبادئ التوجيهية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية بشأن جودة الهواء، وأن تسلط الضوء على الفرص الإضافية للتخطيط الأكثر اخضرارا، والطاقة الأنظف، والمباني الأكثر كفاءة، والمشي وركوب الدراجات في ظروف أكثر أمانا.

إن الاعتراف الرسمي من قِبَل الحكومات بالفوائد الصحية المباشرة المترتبة على خفض الانبعاثات من ثاني أكسيد الكربون من الممكن أن يقلب الموازين نحو تحقيق مزيد من التقدم بشأن تغير المناخ، وتلوث الهواء، وصحة الإنسان في نفس الوقت، وينبغي لصناع السياسات في كل مكان أن يدركوا الفرص الاقتصادية والفوائد السياسية التي تَعِد هذه النتائج بتحقيقها.
_______________
* عميدة كلية الصحة العامة في جامعة كياتانو هيريديا في بيرو.
** المنسق الدولي للشبكة الدولية لصحة الطفل والبيئة والسلامة (INCHES) في هولندا.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات