ريتشارد دوبس* وبويد سوينبيرن**

في عام 2010 تجاوزت البشرية مَعلَما بالغ الأهمية، فوفقاً لدراسة العبء العالمي الناجم عن الأمراض والتي نشرت في المجلة الطبية البريطانية "ذا لانسيت" أصبحت البدانة مشكلة صحة عامة أكبر من مشكلة الجوع.

واليوم، وفقاً لأحدث طبعة من الدراسة، فإن أكثر من 2.1 مليار شخص -أي ما يقرب من 30% من سكان العالم- يعانون من زيادة الوزن أو البدانة. وهذا الرقم يعادل تقريبا مرتين ونصف المرة عدد البالغين والأطفال الذين يعانون من نقص التغذية. والبدانة مسؤولة عن نحو 5% من الوفيات في مختلف أنحاء العالم.

وهذه الأزمة ليست مجرد مشكلة صحية مُلِحّة، بل إنها تشكل أيضا تهديداً للاقتصاد العالمي. فقد بلغ إجمالي التكاليف الاقتصادية للبدانة نحو 2 تريليون دولار سنويا، أو نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو ما يعادل تقريباً الأضرار الاقتصادية الناجمة عن التدخين أو العنف المسلح والحروب والإرهاب، وذلك وفقاً لبحث جديد أجراه معهد ماكينزي العالمي.

ومن المرجح أن تتفاقم المشكلة سوءا. فإذا استمر الاتجاه الحالي، فإن نصف البالغين من سكان العالم سوف يعانون من زيادة الوزن أو البدانة بحلول عام 2030. وكما لاحظت المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية مارغريت تشان "فلم تتمكن أي دولة منفردة من عكس اتجاه وباء البدانة في أي من الفئات العمرية".

وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن انتشار البدانة ازداد في الفترة من 2000 إلى 2013 بنحو 0.5% على الأقل سنوياً في 130 دولة من أصل 196 دولة تم جمع البيانات منها

انتشار
ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن انتشار البدانة ازداد في الفترة من 2000 إلى 2013 بنحو 0.5% على الأقل سنوياً في 130 دولة من أصل 196 دولة تم جمع البيانات منها.

ولا يقتصر هذا الوباء العالمي على البلدان المتقدمة. فمع خروج الاقتصادات الناشئة من دائرة الفقر، يصبح مواطنوها أكثر بدانة. وأكثر من 60% من البدينين على مستوى العالم يعيشون في بلدان نامية، حيث يعمل التصنيع والتوسع الحضري السريع على تعزيز الدخول وبالتالي المستَهلَك من السعرات الحرارية. ففي الهند والصين، يتجاوز معدل انتشار البدانة في المدن ثلاثة إلى أربعة أضعاف مثيله في المناطق الريفية.

والواقع أن الأدلة تشير إلى أن البلدان النامية معرضة بشكل خاص لخطر هذا الوباء. فمعدلات البدانة تميل إلى الانفجار في البلدان حيث كان الغذاء ذات يوم نادراً ثم أصبح وفيرا بشكل مفاجئ.

ففي منتصف القرن العشرين، على سبيل المثال، تسببت طفرة استخراج الفوسفات في تحويل الدولة الجزيرة ناورو في منطقة ميكرونيزيا من أرض تعاني من نقص الغذاء والمجاعة إلى الدولة الرائدة على مستوى العالم في البدانة ومرض السكري من النوع الثاني. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن 94% من الرجال و93% من النساء في ناورو يعانون من الوزن الزائد، وأكثر من 70% من السكان يعانون من البدانة.

وما يزيد الأمور سوءاً أن تكاليف الرعاية الصحية في البلدان حيث خدمات الصحة العامة محدودة تقع بشكل مباشر على عاتق الأسر البائسة. ونتيجة لهذا فإن البدانة من الممكن أن تحبس الفقر وتديم التفاوت بين الناس.

أكثر من 60% من البدينين على مستوى العالم يعيشون في بلدان نامية، حيث يعمل التصنيع والتوسع الحضري السريع على تعزيز الدخول وبالتالي المستَهلَك من السعرات الحرارية

علاج
ومن خلال استعراض خمسمائة من تجارب التدخل في مختلف أنحاء العالم، حدد معهد ماكينزي العالمي 74 تدخلا محتملاً يمكن استخدامه لعلاج البدانة. وهي تتضمن الوجبات المدرسية المدعمة، والتصميم الحضري الذي يشجع ممارسة رياضة المشي، وتحسين بطاقات الوصف على المنتجات الغذائية، وفرض القيود على الإعلان عن الأغذية والمشروبات ذات السعرات الحرارية المرتفعة، فضلاً عن التدابير المالية.

والتوعية بأخطار البدانة أمر مهم، وكذلك تحمل المسؤولية الشخصية عن الصحة، واللياقة البدنية، والوزن. ولكن كل الأدلة تشير إلى أن الاعتماد على المعرفة حول البدانة وقوة الإرادة لا يكفيان للتعويض عن الغريزة التطورية التي تدفع البشر إلى الإفراط في تناول الطعام. وتتفاقم هذه التأثيرات بفعل أساليب الحياة التي تتطلب قدراً ضئيلاً من النشاط البدني.

إن الناس يحتاجون إلى المساعدة، وهذا يعني تغيير القوى البيئية التي تشكل قراراتهم، ولنقل من خلال تقليل أحجام الحصص القياسية، وتغيير ممارسات التسويق، وتصميم المدن والمؤسسات التعليمية لتيسير ممارسة الرياضة والأنشطة على الناس.

وقد تمكن معهد ماكينزي العالمي من جمع القدر الكافي من البيانات عن 44 من أصل 74 تدخلاً محتملا لوضع تقييم أولي لتأثير هذه التدخلات إذا تم تصعيدها إلى المستوى الوطني. فإذا كان للمملكة المتحدة على سبيل المثال أن تنشر كل التدخلات الأربعة والأربعين، فسوف يكون بوسعها أن تكبح جماح معدلات البدانة وأن تساعد ما يقرب من 20% من مواطنيها الذين يعانون من زيادة الوزن والبدانة في العودة إلى وزن صحي في غضون خمس إلى عشر سنوات.

ما يزيد الأمور سوءاً هو أن تكاليف الرعاية الصحية في البلدان حيث خدمات الصحة العامة محدودة تقع بشكل مباشر على عاتق الأسر البائسة. ونتيجة لهذا فإن البدانة من الممكن أن تحبس الفقر وتديم التفاوت بين الناس

توفير
وفي الأمد البعيد، قد يفوق التوفير الناتج عن الحد من الإنفاق على الرعاية الصحية، والمكاسب الناجمة عن ارتفاع الإنتاجية، الاستثمارات المطلوبة لتنفيذ التدخلات. ففي المملكة المتحدة قد يوفر النجاح في عكس اتجاهات البدانة نحو 1.2 مليار دولار سنوياً لهيئة الصحة الوطنية.

وبالنسبة لكثير من البلدان، سوف يتطلب التعامل مع البدانة جهداً وطنيا إن لم يكن عالميا. ولن يكون هذا الجهد فعّالاً إلا من خلال تنفيذ مجموعة من المبادرات المتماسكة المدعمة على نطاق واسع. ولن يتسنى لأي كيان منفرد -الحكومة أو تجار التجزئة أو شركات السلع الاستهلاكية أو المطاعم أو أصحاب العمل أو وسائل الإعلام أو القائمين على التعليم أو مقدمي الخدمات الصحية أو الأفراد- أن يتمكن وحده من معالجة مشكلة البدانة.

إننا لا نملك بعد كل الإجابات عندما يتعلق الأمر بأفضل الطرق لمعالجة البدانة. ولكن الارتفاع السريع في معدلات البدانة في مختلف أنحاء العالم يخلق حجة قوية لصالح التجريب مع التدخلات المختلفة، لكي نرى أيّها قد يكون ناجحا.

واليوم، يبلغ حجم الاستثمارات في الأبحاث الخاصة بالبدانة في مختلف أنحاء العالم نحو 4 مليارات دولار -ما يعادل 0.2% فقط من التكاليف الاجتماعية المقدرة نتيجة للبدانة والسمنة-. وبوسعنا، بل يتعين علينا، أن نبذل المزيد من الجهد.
_______________
* مدير شركة ماكينزي آند كومباني، ومدير معهد ماكينزي العالمي.
** أستاذ تغذية السكان والصحة العالمية في جامعة أوكلاند، ومدير مركز منظمة الصحة العالمية التعاوني للوقاية من السمنة والبدانة بجامعة ديكن في ملبورن.

المصدر : بروجيكت سينديكيت