الرقابة الصحية على الطعام والشراب أمرٌ حيوي للصحة العامة، وتدهورها يتسبب بانتشار فايروسات وميكروبات قد تتسبب بأوبئة قاتلة. وقد أدى تدهور الوضع الأمني في سوريا إلى انخفاض نوعية الرقابة الصحية وانتشار أمراض عديدة مثل التهاب الكبد الوبائي.

سلافة جبور-دمشق

تشهد العاصمة السورية دمشق ارتفاعا كبيرا بأعداد المصابين بالتهاب الكبد الوبائي، حيث وصل عدد الإصابات المسجلة في الأسبوع الماضي إلى 2500، توفي منهم أربعة بينهم فتى في الخامسة عشرة.

وقد تسبب انتشار المرض في حالة قلق بين المواطنين من تحوله إلى وباء تصعب السيطرة عليه، رغم انخفاض عدد الإصابات في الأيام الماضية إلى 1500.

ويشهد مستوى الخدمات الصحية في دمشق تراجعا بشكل عام، ويشمل ذلك الرقابة على المواد الغذائية والمطاعم والمدارس.

ويقول مواطنون إن الحكومة ترفض حتى الآن الاعتراف بالانتشار الكبير للمرض وإيجاد حلول له، وتكتفي ببعض البيانات والتصريحات المقتضبة.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذرت الشهر الماضي من تفشي مرض الكوليرا في سوريا، حيث زاد عدد الإصابات بالأمراض المنقولة عبر الماء -مثل التيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي- نتيجة تدهور مستوى التعقيم الصحي.

وأضافت المنظمة أن مياه الشرب الآمنة متوفرة بنسبة الثلث قياسا بما كان متوفرا قبل اندلاع الحرب عام 2011، وأشارت إلى أن المياه تُقطع لمعاقبة المدنيين في بعض الأحيان.

علاجات الكبد الوبائي غالية وترتب عبئا ماليا ثقيلا على المواطن السوري (أسوشيتد برس)

مناشدات
وقالت ممثلة المنظمة في سوريا الطبيبة إليزابيث هوف، إنه تم رصد نحو 31 ألفا و460 حالة إصابة بالتهاب الكبد الوبائي في سوريا العام الماضي، وأكثر من ألف حالة أسبوعيا منذ يناير/كانون الثاني من هذا العام.

وبحسب أحدث تصريحات وزارة الصحة السورية، فقد شهد الأسبوع الأخير انخفاضاً بعدد الإصابات المسجلة من حوالي 2500 إصابة الأسبوع الفائت إلى 1500 إصابة، وذلك "نتيجة ازدياد حرص المواطنين على تطبيق الاشتراطات الصحية"، كما أشارت الوزارة في بيان لها إلى أن نسبة الإصابة بالمرض ضمن الحدود الطبيعية، وليس هناك أي وباء وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية.

إلا أن المواطنة السورية -وطلبت أن تعرّف بأم يزن- التي أصيب ابنها بالمرض نتيجة انتقال العدوى إليه من أحد الأطفال المصابين في المدرسة في منطقة دمر بدمشق، استغربت تصريحات الوزارة التي لم تصدر إلا بعد وفاة عدد من المصابين وازدياد تذمر المواطنين.

وقالت "الاهتمام بمشاكل تلوث المياه والأطعمة وتأمين اللقاحات والأدوية بأسعار مناسبة أفضل من إطلاق تصريحات لا فائدة منها".

وتضيف أم يزن للجزيرة نت "تكتظ المدارس بالطلاب نظرا لنزوح آلاف العائلات إلى دمشق، حيث تتجاوز أعداد طلاب الصف الواحد الستين أحيانا، وتعد هذه البيئة مناسبة لانتشار المرض، في ظل غياب أدنى شروط النظافة وعدم توفر مواد أساسية كالصابون ولوازم التعقيم التي يفترض بوزارتي التربية والصحة توفيرهما".

كما تشير أم يزن إلى غياب أي رقابة على المطاعم -خاصة المخالفة- وبسطات الأغذية المكشوفة التي تنتشر بشكل كبير في أحياء العاصمة.

بدورها، تناشد أم وائل مديرية الصحة المدرسية توفير اللقاحات والأدوية اللازمة للوقاية من المرض، حيث تجد معظم العائلات صعوبة بالغة في العثور على اللقاح وسداد ثمنه.

غياب الرقابة الصحية على المدارس قد يتسبب بانتشار مرض الكبد الوبائي (الجزيرة)

مدارس مكتظة
وتقول "يبلغ سعر اللقاح في وزارة الصحة خمسة آلاف ليرة سورية (حوالي عشرين دولارا) إلا أن الحصول عليه أمر شبه مستحيل، أما لدى الأطباء والصيدليات فيرتفع السعر ليبلغ بين 7 و15 ألف ليرة. كي نؤمن لقاحا لأطفالي الثلاثة الذين يرتادون مدرسة يزداد عدد الإصابات فيها بشكل يومي وعلينا دفع مبالغ طائلة لا قدرة لنا على تحملها".

وقد أكد أحد الأطباء في مستشفى المواساة الحكومي بدمشق -والذي طلب عدم الكشف عن هويته- أن مشاهداته الشخصية تؤكد الانتشار الكبير لالتهاب الكبد الفيروسي من النوع "أي" وحدوث عدد من الوفيات بسببه.

وأكد الطبيب أن من الصعب معرفة العدد الدقيق من المصابين أو الوفيات، حيث تحتكر الوزارات المعنية هذه الأرقام ولا تعلن عنها.

ويضيف قائلا "ينتشر المرض بسبب الطعام والشراب الملوثين في وقت لا يبدو فيه أن الحكومة تقوم بأي إجراءات جديدة للحد من العدوى".

من جهة أخرى، أشار الطبيب إلى انتشار مرض إنفلونزا الطيور مؤخرا مما دفع القائمين على المستشفى لافتتاح شعبة خاصة به، "إلا أن انتشار المرض لم يصل بعد درجة تستدعي القيام بأي إجراء من قبل وزارة الصحة للحد من انتشاره، خاصة مع قرب انتهاء فصل الشتاء".

ويشير الطبيب إلى ارتفاع أسعار اللقاحات بشكل كبير وعدم فعاليتها الكبيرة في مواجهة الأمراض المنتشرة، مما يضع المواطنين بين مطرقة المرض وسندان استغلال حاجاتهم للقاحات برفع أسعارها.

المصدر : الجزيرة