دين بيكر*، أرغون غاياديف**، جوزيف ستيغليتز***

نجح قانون حماية المريض والرعاية الميسرة في الولايات المتحدة -وهو إصلاح الرعاية الصحية الذي أقره الرئيس باراك أوباما عام 2010- في توسيع التغطية التأمينية إلى ملايين الأميركيين الذين ما كانوا ليحصلوا عليها لولا ذلك. وخلافاً لتحذيرات المنتقدين، فإن هذا القانون لم يدفع تكاليف الرعاية الصحية إلى الارتفاع، بل هناك بعض الأمل في اتجاه منحنى التكاليف نحو الانخفاض أخيرا.

ولكن ليس مؤكدا إن كان "أوباما كير" سينجح في الحد من تكاليف الرعاية الصحية المفرطة الارتفاع، إذ إن هذا سيعتمد على سياسات أخرى تنتهجها إدارة أوباما، وخاصة في منطقة قد تبدو غير ذات صلة، وهي المناقشات الجارية بين الولايات المتحدة والهند بشأن الملكية الفكرية. وهنا يبدو أوباما عازماً على تقويض إصلاحه المهم، وذلك بسبب الضغوط التي تمارسها شركات الأدوية القوية في بلاده.

إدارة أوباما تسعى لعقد صفقة تجارية مع الهند تسمح بإضعاف المنافسة من قبل الأدوية التي لا تحمل علامات تجارية، وبالتالي جعل الأدوية المنقذة للحياة غير متاحة للمليارات من البشر في الهند وأماكن أخرى من العالم

إن تكاليف الأدوية تشكل مكوناً متزايد الضخامة من إنفاق الولايات المتحدة على الرعاية الصحية. والواقع أن النفقات على الأدوية التي لا تُصرَف إلا بوصفة طبية -كحصة من الناتج المحلي الإجمالي- تضاعفت إلى ثلاثة أمثالها تقريباً في غضون عشرين عاماً فقط، وبالتالي فإن خفض تكاليف الرعاية الصحية يتطلب قدراً أعظم من المنافسة في صناعة الأدوية، وهذا يعني السماح بتصنيع وتوزيع الأدوية التي لا تحمل علامات تجارية.

ولكن بدلاً من ذلك، تسعى إدارة أوباما لعقد صفقة تجارية مع الهند تسمح بإضعاف المنافسة من قبل الأدوية التي لا تحمل علامات تجارية، وبالتالي جعل الأدوية المنقذة للحياة غير متاحة للمليارات من البشر في الهند وأماكن أخرى من العالم. وهذه ليست بالنتيجة غير المقصودة لسياسة تدفعها نوايا حسنة لولا ذلك، بل إنها تمثل الهدف الواضح للسياسة التجارية الأميركية.

منع المنافسة
كانت شركات الأدوية الكبرى المتعددة الجنسيات تسعى جاهدة منذ فترة طويلة لمنع المنافسة من الأدوية التي لا تحمل علامات تجارية. ولكن النهج المتعدد الأطراف الذي يستخدم منظمة التجارة العالمية، أثبت أنه أقل فعالية مما كان منتظرا، وبالتالي فإنها تحاول الآن تحقيق هذا الهدف من خلال عقد اتفاقات ثنائية وإقليمية.

وتمثل أحدث جولة من المفاوضات مع الهند -المصدر الرئيسي للأدوية التي لا تحمل علامات تجارية للبلدان النامية- جزءاً أساسياً من هذه الإستراتيجية.

في سبعينيات القرن العشرين، ألغت الهند براءات الاختراع للأدوية، الأمر الذي ساعد في خلق صناعة متقدمة وفعّالة للأدوية التي لا تحمل علامات تجارية، وهي صناعة قادرة على توفير الأدوية بأسعار ميسرة للناس في مختلف أنحاء العالم النامي. ولكن هذا تغيّر عام 2005 عندما اضطرت الهند -بموجب اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية التابعة لمنظمة التجارة- للسماح ببراءات اختراع الأدوية.

ولكن من وجهة نظر صناعة الأدوية الأميركية، فإن اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية لم تحرز تقدماً كافيا، وبالتالي فإن رغبة حكومة الهند في تعزيز علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة توفر للصناعة فرصة مثالية لاستئناف الجهود من حيث انتهت اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية، من خلال إرغام الهند على جعل الحصول على براءات الاختراع أكثر سهولة، والحد من إتاحة الأدوية المنخفضة التكاليف التي لا تحمل علامات تجارية.

يظل سعر الدواء الذي لا يحمل علامة تجارية باهظ التكلفة بالنسبة لأولئك الذين يعيشون على بضعة دولارات يوميا، ولكن خلافاً لأسعار الولايات المتحدة فإنه في متناول العديد من الحكومات ومنظمات الإغاثة

براءات الاختراع
وحتى الآن تبدو الخطة ناجحة، ففي الخريف الماضي وخلال الزيارة التي قام بها إلى الولايات المتحدة، وافق رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي على إنشاء مجموعة عمل لإعادة تقييم سياسة براءات الاختراع في البلاد. وسيتولى قيادة المشاركين في المجموعة من الولايات المتحدة مكتب الممثل التجاري الأميركي الذي يخدم مصالح شركات الأدوية بدلاً من مصالح الأكاديمية الوطنية للعلوم أو مؤسسة العلوم الوطنية أو المعهد الوطني للصحة على سبيل المثال.

ولكن كيف تتمكن الهند من إحكام نظام براءات الاختراع؟ بادئ ذي بدء، يمكنها خفض معاييرها لما يعتبر منتجا "جديدا"، ومن ثم المنتج الذي يستحق حماية ملكيته الفكرية. وفي الوقت الحالي، تحدد الهند سقفاً مرتفعاً للغاية، والنتيجة أنها ترفض منح براءات الاختراع لمجموعات جديدة من الأدوية القائمة.

وبوسع الهند أيضاً أن توقف إصدار التراخيص الإجبارية للسماح لشركات أخرى بإنتاج أدوية لها براءات اختراع مقابل بعض الرسوم، وهو الترتيب المسموح به بموجب اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية، ولكنه ضار بصناعة الأدوية.

إن سياسات الهند الحالية تسمح ببيع الأدوية مقابل جزء صغير من أسعار الاحتكار التي يمليها حاملو براءات الاختراع. على سبيل المثال، يباع عقار معالجة التهاب الكبد "سي" مقابل 84 ألف دولار لكل علاج في الولايات المتحدة، وبوسع المصنعين في الهند بيع النسخة التي لا تحمل علامة تجارية من نفس الدواء وبهامش من الربح مقابل أقل من ألف دولار لكل علاج.

باهظ
ويظل سعر الدواء الذي لا يحمل علامة تجارية باهظ التكلفة بالنسبة لأولئك الذين يعيشون على بضعة دولارات يوميا، ولكن خلافاً لأسعار الولايات المتحدة فإنه في متناول العديد من الحكومات ومنظمات الإغاثة.

وهذا ليس مثالاً معزولا، فبفضل الأدوية التي لا تحمل علامات تجارية بات ممكنا علاج عشرات الملايين من مرضى فيروس الإيدز في العالم النامي.

والواقع أن تهديد المنافسة من قبل الأدوية الهندية التي لا تحمل علامات تجارية مسؤول جزئياً عن القرار الذي اتخذته شركات الأدوية الكبرى بجعل بعض أدويتها متاحة لفقراء العالم بأسعار أقل. وإذا أرغمت واشنطن نيودلهي على إحكام قواعد براءات الاختراع لديها بشكل كبير، بحيث تصبح أقرب شبهاً بالقواعد في الولايات المتحدة، فإن هذه النتيجة قد تتعرض للخطر.

بطبيعة الحال، إذا كان نظام براءات الاختراع القوي في أميركا أفضل طريقة لتعزيز الإبداع في صناعة الأدوية كما يدعي أنصاره، فإن السياسة التي تنتهجها إدارة أوباما في التعامل مع الهند ربما تكون مبررة، ولكن هذه ليست هي الحال.

إذا نجحت إدارة أوباما في إرغام الهند على تشديد قوانين براءات الاختراع، فإن التغيرات الناجمة عن هذا ستلحق الضرر ليس بالهند وغيرها من البلدان النامية فقط، وإنما ستكرس أيضاً لنظام براءات اختراع فاسد وعديم الكفاءة في الولايات المتحدة

احتكارات
لأن براءات الاختراع في الأساس احتكارات ممنوحة من قبل الحكومة، فهي تؤدي إلى نفس أوجه القصور والسلوك الريعي، مثلها في ذلك مثل أي تشوهات مماثلة في السوق. فبراءة الاختراع التي تؤدي إلى ارتفاع سعر الدواء مائة ضعف، لها نفس التأثير المدمر على السوق الذي يخلفه فرض تعريفة بنسبة عشرة آلاف في المائة. وفي مثل هذه الحالات فإن شركات الأدوية تكتسب حافزاً قوياً لتضليل الأطباء وعامة الناس بشأن سلامة منتجاتها وفعاليتها، بل وحتى للترويج لأدويتها لاستخدامات غير مناسبة، وغالباً باستخدام مدفوعات جانبية مبدعة لإقناع الأطباء بوصف أدويتها.

وعلاوة على ذلك، تشجع البحوث التي تدعمها براءات الاختراع على السرية، حيث لا تكشف الشركات إلا عن المعلومات اللازمة للحصول على البراءات. غير أن الانفتاح يشكل ضرورة أساسية لتحقيق التقدم العلمي الفعّال. والواقع أن العديد من خبراء الاقتصاد اقترحوا مجموعة متنوعة من البدائل لمشاريع البحث والتطوير والاختبارات المدعومة ببراءات الاختراع لتجنب هذه المشاكل.

إذا نجحت إدارة أوباما في إرغام الهند على تشديد قوانين براءات الاختراع، فإن التغيرات الناجمة عن هذا ستلحق الضرر ليس بالهند وغيرها من البلدان النامية فقط، وإنما ستكرس أيضاً لنظام براءات اختراع فاسد وعديم الكفاءة في الولايات المتحدة، حيث تزيد الشركات من أرباحها عبر إحباط المنافسة سواء في الداخل أو الخارج.

وفي نهاية المطاف، فإن الأدوية التي لا تحمل علامات تجارية من الهند كثيراً ما توفر الخيار الأقل تكلفة في سوق الولايات المتحدة بمجرد انتهاء المدد المحددة لبراءات الاختراع.

كان أوباما محقاً في الضغط من أجل إصلاح الرعاية الصحية الذي من شأنه أن يزيد من كفاءة القطاع والقدرة على الوصول إليه. وفي تعاملاتها مع الهند، تسعى إدارة أوباما لفرض سياسة تستهزئ بهذه الأهداف، ولن تتحمل العواقب الهند أو الولايات المتحدة وحدها، بل العالم بأسره.
_______________
* المدير المشارك لمركز البحوث الاقتصادية والسياسات في واشنطن العاصمة.
** أستاذ الاقتصاد بجامعة ماساتشوستس في بوسطن، ورئيس التحرير المشارك لمجلة العلومة والتنمية.
*** حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ بجامعة كولومبيا. وأحدث مؤلفاته كتاب مشترك مع بروس جيرنوالد بعنوان "خلق مجتمع التعلم.. نهج جديد في التعامل مع النمو والتنمية والتقدم الاجتماعي".

المصدر : بروجيكت سينديكيت