وقف قَتَلة الأطفال
آخر تحديث: 2015/12/8 الساعة 15:55 (مكة المكرمة) الموافق 1437/2/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/12/8 الساعة 15:55 (مكة المكرمة) الموافق 1437/2/27 هـ

وقف قَتَلة الأطفال

أنيتا زيدي*

في عدد كبير من الأماكن في مختلف أنحاء العالم، تنتقل عدوى الأمراض الأشد فتكاً بالأطفال بواسطة أصغر الكائنات الحية: الفيروسات، والبكتيريا، والطفيليات الوحيدة الخلية التي تسبب الإسهال والالتهاب الرئوي.

ونظراً للتقدم الهائل الذي تحقق في مجال الصحة العامة والذي جعل من الممكن الوقاية من الإسهال والالتهاب الرئوي وعلاجهما، فإن هذه الحال غير مبررة على الإطلاق. ومن الأهمية بمكان أن يتمكن كل الأطفال، وخاصة الأكثر عُرضة للخطر، من الحصول على خدمات الرعاية الصحية المنقِذة للحياة.

وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" إلى أن الالتهاب الرئوي والإسهال يقتلان ربعاً كاملاً من 5.9 ملايين طفل يموتون سنوياً دون سن الخامسة.

كما يشير تقرير حديث صادر عن المركز الدولي للوصول إلى اللقاحات إلى أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الوفيات الناجمة عن الالتهاب الرئوي والإسهال تحدث في 15 بلداً فقط. وفي هذه البلدان وغيرها، تنتشر مثل هذه الوفيات بشكل خاص بين المجتمعات الأكثر فقراً وتهميشا.

وفي حين تعكس الأرقام التقدم الذي تحقق في العقود الأخيرة، فالمأساة هي أن التحسن ربما كان ليصبح أكبر كثيراً لو لم تستسلم الحكومات بشكل دائم لإغراء التركيز على وسيلة أو وسيلتين فقط للتدخل في كل مرة.

تدخلات
ولإنهاء الوفيات بين الأطفال نتيجة لهذه الأمراض إلى الأبد، يتعين على الحكومات أن تلتزم بتصعيد مجموعة كاملة من التدخلات في آن واحد، وهي التدخلات التي حددتها منظمة الصحة العالمية ومنظمة يونيسيف قبل عامين في خطة العمل العالمية المتكاملة لمرض الالتهاب الرئوي والإسهال.
أحد التدخلات الحاسمة لمواجهة الالتهاب الرئوي والإسهال هو تشجيع الاعتماد بشكل كامل على الرضاعة الطبيعية فقط طوال الأشهر الستة الأولى من حياة الطفل

ويتمثل أحد التدخلات الحاسمة -الفعالة من حيث التكلفة إلى حد غير عادي- في تشجيع الاعتماد بشكل كامل على الرضاعة الطبيعية فقط طوال الأشهر الستة الأولى من حياة الطفل، وهي الممارسة التي تساعد في دعم تطور النظام المناعي لدى الطفل.

وفي 12 دولة من 15 دولة تعاني في الوقت الحالي من أغلب الوفيات بين الأطفال بسبب الالتهاب الرئوي والإسهال، لا تصل معدلات الاعتماد التام على الرضاعة الطبيعية إلى الهدف العالمي الذي حددته الصحة العالمية بنسبة 50%.

وعلاوة على ذلك، يتعين على الحكومات أن تضمن حصول كل الأطفال على اللقاحات المنقذة للحياة. فرغم أن لقاح عدوى المكورات الرئوية -أحد الأسباب الرئيسية للإصابة بالالتهاب الرئوي- تم تطويره مطلع هذا القرن، فإنه لم يدرج بعد ضمن برامج التحصين الروتينية في خمسة من البلدان حيث الالتهاب الرئوي الأكثر انتشارا (تشاد والصين والهند وإندونيسيا والصومال) ولا بد لهذا الوضع أن يتغير.

أما عن الإسهال، فقد توصلت دراسة عالمية شاملة إلى أن الحالات المتوسطة إلى الشديدة ترجع في المقام الأول إلى الإصابة بفيروس الروتا، الأمر الذي يجعل هذا الفيروس القاتل الرئيسي للرُضَّع والأطفال الصِغار في مختلف أنحاء العالم.

ولكن برغم أن لقاحات فيروس الروتا كانت مطروحة في 79 دولة -وهو إنجاز كبير- فإن نحو 74% من الأطفال الرضع على مستوى العالم من غير المرجح أن يحصلوا على اللقاح هذا العام. وسوف يكون تقديم اللقاح للأطفال الرضع في الهند العام القادم حدثاً رئيسياً بالغ الأهمية. ولكن بلدانا آسيوية أخرى، مثل بنغلاديش وباكستان، لم تقرر بعد ما إذا كانت قد تحذو حذو الهند.

العلاجات المناسبة
وعندما يصاب الأطفال بالإسهال فإنهم يحتاجون إلى الوصول إلى العلاجات المناسبة. وتعمل أملاح تعويض السوائل التي تؤخذ عن طريق الفم ومكملات الزنك ليس فقط على الحد بشكل كبير من معدلات الوفاة، بل إن توسيع نطاق نشرها أيضاً زهيد التكاليف. وفي علاج الالتهاب الرئوي يشكل الوصول إلى المضادات الحيوية ضرورة أساسية.

ويتمثل القاسم المشترك بين هذه التدخلات في الحاجة إلى العاملين الحاصلين على القدر الكافي من التدريب والذين يخدمون المجتمعات الفقيرة.

بوسع الحكومات أن تلعب دوراً محورياً في ضمان تمكين المجتمعات الأكثر فقراً وتهميشاً من الحصول على الخدمات الصحية الحرجة

والواقع أن العاملين في مجال الصحة مطلوبون لتوجيه الأمهات اللاتي يحاولن إرضاع أطفالهن طبيعيا -وهو ليس بالأمر السهل دوماً كما قد تبدو الحال- وتعزيز أهمية هذه الممارسة. وهم مطلوبون لتسليم اللقاحات والعلاجات، وأيضاً لإعطاء المشورة للأسر حول كيفية حماية أطفالهم من الموت بالالتهاب الرئوي والإسهال، وغير ذلك من الأمراض، بما في ذلك من خلال نشر المعلومات حول التوقيت الصحيح لطلب الرعاية.

وبوسع الحكومات أن تلعب دوراً محورياً في ضمان تمكين المجتمعات الأكثر فقراً وتهميشاً من الحصول على الخدمات الصحية الحرجة، من خلال توفير التدريب المناسب والأدوات والإشراف والتمويل والدعم اللوجستي للعاملين الصحيين.

وسوف يتطلب هذا -جنباً إلى جنب مع تدخلات حرجة أخرى مثل توفير المياه النظيفة ومرافق الصرف الصحي الفعّالة- الالتزام السياسي المستمر، الذي تستطيع منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام أن تساعد في ضمانه من خلال مساءلة حكوماتها.

حتى وقتنا هذا، لا يزال عدد كبير للغاية من الأطفال في مختلف أنحاء العالم غير قادرين على الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية التي يحتاجون إليها للبقاء والنماء.

ومن المؤكد أن التعجيل بمناقشة الطرق المثبتة الزهيدة التكلفة للوقاية من الالتهاب الرئوي والإسهال وعلاج المصابين بهما وشفائهم يشكل ضرورة أساسية لمنح كل الأطفال الفرصة التي يستحقونها. ولا ينبغي لفرص بقاء أي شخص على قيد الحياة أن تتحدد وفقاً للمكان الذي يعيش فيه.
_______________
* مديرة برنامج الأمراض المعوية والإسهال لدى مؤسسة بِل وميليندا غيتس

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات