قبل 35 عاما لم يكن أحد يدري أنه في منطقة تعلو القطب ‫الجنوبي بعشرين كيلومترا كانت انبعاثات بعض المواد ‫الكيميائية تقوم بثقب طبقة الأوزون، التي تحمي كوكب الأرض من مخاطر ‫الأشعة فوق البنفسجية الضارة.

وطبقة الأوزون موجودة في منطقة "ستراتوسفير" في الغلاف الجوي، وتتكون من تركيز مرتفع من جزيئات غاز الأوزون، التي تتكون من ثلاث ذرات من الأكسجين (O3). وتقوم بامتصاص جزء كبير من الأشعة فوق البنفسجية، حيث يؤدي التعرض لها إلى مخاطر صحية مثل الحروق وسرطان الجلد والتهاب القرنية والمياه البيضاء (كاتاراكت) وإضعاف المناعة.

‫واكتشف الثقب جو فورمان من محطة هالي باي البريطانية في قارة إنتركتيكا مطلع الثمانينيات، وفي 16 مايو/أيار من ذلك العام، كتب فريق من ‫الخبراء في مجلة "نيتشر" أن معدلات الأوزون تغيرت بصورة مخيفة، وقد تسبب ‫نشر هذا التحقيق في هزّ جميع أوساط خبراء البيئة ورجال السياسة أيضا.

وقال جيرت كوينج لانجلو خبير معهد الفريد فيجنر، ومدير نيوماير‫3 (محطة الأرصاد بقارة إنتركتيكا) إن المثير للدهشة أن هذا الثقب حدث ‫عند نهاية العالم، وهو المكان الوحيد الخالي من انبعاثات الهيدركربون ‫المشع.

‫ويعد حدوث ثقب الأوزون في منطقة غير مأهولة بالسكان من حسن حظ ‫البشرية، نظرا لأنه لو حدث في منطقة مكتظة بالسكان فإن نقص الطبقة التي ‫تحمي من الأشعة فوق البنفسجية الضارة كان سيتسبب في حدوث ملايين من ‫حالات الإصابة بسرطان الجلد.

وحتى مطلع السبعينيات كانت مشتقات الهيدروكربون المشبع تعد الوسيلة ‫الأنسب لعمليات الاحتراق والغازات الأفضل لعمليات التبريد، نظرا لأنها ‫قابلة للصرف، وشفافة وغير سامة، وتعد مستقرة من ناحية التفاعل ‫الكيميائي.

رسم بياني يوضح الثقب في طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية (الألمانية)

ملايين الأطنان
وهكذا، تدفقت ملايين الأطنان من انبعاثات ‫هذه الغازات إلى الغلاف الجوي، إلى أن جاء أول تحذير عام 1974 على يد ‫الباحثين ماريو مولينا وشيروود رولاند اللذين أفادت نتائج أبحاثهما بأن ‫مركبات الكلورفلورو كربون (CFC) -وتعرف بالاسم التجاري "فريون"- الناتجة عن هذه الانبعاثات يمكن أن تدمر طبقة ‫الأوزون بالكامل. 

‫كرد فعل على هذا التحذير قررت الولايات المتحدة والدول الإسكندنافية حظر ‫البخاخات المضغوطة التي تحتوي على غاز الفريون، كما بدأت حملات لزيادة ‫الوعي بمخاطر دمار طبقة الأوزون، خاصة بعد نشر فورمان نتيجة أبحاثه عام ‫1985، والتي دعمها خبراء ناسا بعد مطابقة النتائج بالإحداثيات التي حصلت ‫عليها بواسطة الأقمار الصناعية عن حالة ثقب الأوزون.

بعد ذلك بعامين في 16 سبتمبر/أيلول 1987 أقرت مئتا دولة بروتكول مونتريال، ‫الذي دخل حيز التنفيذ عام 1989، ونص في البداية على الحد من انبعاثات ‫مركبات الكلورفلورو كربون ليتم حظرها نهائيا بحلول عام 1996.

‫وفي عام 2000 بلغ تركيز مشتقات الكلورفلورو كربون في الغلاف الجوي أقصى ‫درجاته، ومنذ ذلك الحين بدأ في التناقص إلى أن تراجعت النسبة الآن بمعدل ‫5%. في الوقت نفسه، بلغ ثقب الأوزون أقصى اتساع له عام 2006، حيث قدّر في ‫ذلك الوقت بنحو 27 مليون كيلومتر مربع، أي ما يقرب من مساحة قارة ‫أفريقيا بالكامل.

‫يذكر أن طبقة الأوزون تعرضت للانكماش في مناطق أخرى من كوكب الأرض، مثل ‫أوروبا الوسطى على سبيل المثال، بنسبة تتراوح بين 5 و10%، وفقا ‫لدراسات الخبير الألماني فولفجانج شاينبريخت.

وفي 2014 أعلنت المنظمة ‫الدولية للأرصاد (OMM) أن بروتوكول مونتريال حقق نجاحا كبيرا، بالرغم من ‫أن توقعات الخبراء تشير إلى أن ثقب الأوزون لن يلتئم قبل حلول عام ‫2070، وأن مشتقات الكلورفلورو كربون ستبقى في الغلاف الجوي لكوكب الأرض حتى نهاية ‫القرن الحالي. 

‫يشار إلى أن كلا من رونالد والمكسيكي مولينا حصلا عام 1995 على جائزة ‫نوبل في الكيمياء مناصفة مع الباحث بول كروتسن، تقديرا لأبحاثهم. ووفقا لتقديرات الأمم ‫المتحدة فقد حالت هذه الأبحاث دون وقوع ملايين الإصابات سنويا بسرطان الجلد ‫منذ التسعينيات وحتى عام 2030. 

‫ويرى الخبراء أن التعامل مع مشكلة ثقب الأوزون أظهر نموذجا إيجابيا في ‫سرعة تعامل البشرية مع التهديدات الخطيرة التي تواجهها البيئة.

المصدر : الألمانية