أنتوني هاريس*

في العام الماضي، تجاوز السل فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) بوصفه المرض المعدي الأكثر فتكاً في العالم. ويشير تقرير حديث صادر عن منظمة الصحة العالمية إلى أن مرض السل يحصد أرواح نحو 1.5 مليون شخص كل عام.

والمذهل أن واحداً من كل ثلاثة أشخاص على مستوى العالم يعيش وهو يحمل عدوى السل الكامنة، التي قد تتطور في نهاية المطاف إلى الشكل النشط -الذي قد يكون قاتلا- من المرض.

لقد تحقق تقدم كبير في مكافحة مرض السل في العقود الأخيرة، ومنذ عام 2000 أنقِذ نحو 43 مليون إنسان من الموت بفضل هذا التقدم، لكن زعماء العالم لم ينظموا بعد استجابة تتناسب مع حجم المشكلة، ولا بد لهذا أن يتغير، خاصة أننا نتعلم المزيد عن التفاعل بين السل ومرض آخر قاتل: السكري.

إن مرض السكري من النوع الثاني لا يجعل الجسم عاجزاً عن معالجة الإنسولين أو الاستجابة له فحسب، بل إنه يضعف جهازه المناعي أيضا، وهو ما يزيد خطر تعرض ضحاياه للإصابة بالسل النشط.

فالأشخاص المصابون بمرض السكري أكثر عُرضة ثلاث مرات للوقوع فريسة لمرض السل، ومن الممكن أيضاً أن يتسبب السكري في جعل المرضى أقل استجابة للعلاجات المعتادة للسل، كما يزيد احتمالات الانتكاس بعد علاج المرض.

قد يتسبب السل عبر دفع نسبة السكر في الدم إلى الارتفاع في مراحله الأولية في تفاقم مرض السكري أو الإصابة به

تفاعلات
ومن ناحية أخرى، قد يتسبب السل -من خلال دفع نسبة السكر في الدم إلى الارتفاع في مراحله الأولية- في تفاقم مرض السكري أو الإصابة به. وما يزيد الطين بلة أن بعض الأدوية الرئيسية التي تعالج مرض السل ربما تؤدي إلى تفاعلات سلبية مع علاجات السكري التي تؤخذ عن طريق الفم، الأمر الذي يجعلها أقل فعالية.

وسوف تصبح هذه التفاعلات أكثر شيوعاً بمرور الوقت، فاليوم يعاني ما يقرب من 390 مليون شخص من مرض السكري من النوع الثاني، وفي غضون عشرين عاماً من المتوقع أن يتجاوز العدد الإجمالي 592 مليون شخص.

والأمر المزعج للغاية أن ستة من البلدان العشرة التي من المتوقع أن تشهد أعلى معدلات الإصابة بمرض السكري بحلول منتصف هذا القرن (روسيا، والهند، والصين، والبرازيل، وإندونيسيا، وباكستان) مصنفة أيضاً من قِبَل منظمة الصحة العالمية بين أعلى البلدان تحملا لأعباء مرض السل.

هذه ليست المرة الأولى التي نواجه فيها مثل هذه المشكلة؛ فقبل عشرين عاما اقترن السل والإيدز في تفاعل قاتل مماثل. ويعمل الإيدز -مثله في ذلك مثل السل- على إضعاف الجهاز المناعي، الأمر الذي يجعل ضحاياه أكثر عُرضة للسل النشط.

وفي الفترة بين 1990 و2005، عندما كان الإيدز يصيب نحو مليوني شخص سنوياً في بلدان منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، تضاعف معدل الإصابة بحالات السل الجديدة إلى أربعة أمثاله.

وكان زعماء العالم متباطئين في الاستجابة لتلك الأزمة، وتسبب التأخير في معاناة هائلة وخسائر في أرواح البشر. وفي نهاية المطاف، مع تصاعد معدلات الوفاة، بدأ الزعماء يقدرون حجم المشكلة ويدركون الحاجة إلى العمل التعاوني.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، كان ما يقرب من ثلث الوفيات بين مرضى الإيدز عام 2014 راجعاً إلى السل

حجر الأساس
وبدأت عيادات الرعاية الصحية المحلية تجمع فحوصات وعلاجات هذين المرضين، ومع إتاحة العلاجات المضادة للفيروسات في أفريقيا، بدأ معدل الإصابة بالسل بين مرضى الإيدز ينخفض، ولكن لا تزال التأثيرات ملموسة حتى يومنا هذا؛ فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية كان ما يقرب من ثلث الوفيات بين مرضى الإيدز في عام 2014 راجعاً إلى السل.

ولكن هذه المرة، ومع ارتفاع معدلات الإصابة بمرض السكري، لا ينبغي لنا أن ننتظر إلى أن تخرج الأزمة من تحت سيطرتنا قبل أن نتحرك. ففي الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، اجتمع أصحاب المصلحة في مجال الصحة العامة، بما في ذلك ممثلو شركات الأعمال ومنظمات المجتمع المدني ومنظمات الإغاثة الدولية، في بالي بإندونيسيا، لوضع حجر الأساس للحملة العالمية للتصدي للوباء المزدوج (السل والسكري) الذي يلوح الآن في الأفق، وهو أول مؤتمر قمة في مجال الصحة يركز بشكل خاص على الاستجابة لهذا الوباء المزدوج.

لقد اجتذب هذا الحدث، الذي استضافته وزارة الصحة في إندونيسيا، خبراء من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية، وطُلِب من الحضور التوقيع على "إعلان بالي"، وهو في الأساس تعهد بتنفيذ سياسات معينة في مجال الرعاية الصحية أثبتت قدرتها على المساعدة في خفض معدلات الإصابة بالسل والسكري.

وتشمل التدابير خطوات بسيطة نسبياً مثل "الفحص ثنائي الاتجاه"، والذي يُلزِم أي شخص مصاب بالسكري بالخضوع لفحص السل، والعكس بالعكس. والواقع أن برامج الفحص المبكر ثنائي الاتجاه في الهند والصين وغيرهما من البلدان المتضررة بشكل كبير تقدم الأمل في إدارة هذين المرضين بشكل أفضل.

أبرزت قمة بالي الفرصة التي لا غنى عنها والتي أتيحت لنا لاتخاذ التدابير الوقائية اللازمة ضد أزمة وشيكة في مجال الرعاية الصحية. ولكن من الأهمية بمكان أن يعقب هذه القمة اتخاذ إجراءات عاجلة والالتزام بتخصيص الموارد. ولا بد من حمل زعماء العالم على الاعتراف بالتهديد المزدوج المتمثل في السل والسكري، واعتباره من البنود ذات الأولوية العالية على أجندة صنع السياسات قبل فوات الأوان.
_______________
* مستشار أول ومدير إدارة البحوث في الاتحاد الدولي لمكافحة السل وأمراض الرئة.

المصدر : بروجيكت سينديكيت