دعاء عبد اللطيف-القاهرة

اعتقد أنها أعراض برد مع بداية تقلبات فصل الخريف، لكن الألم ازداد ولا فائدة من دواء حالات البرد، ثم ارتفعت حرارته إلى فوق الأربعين درجة مع قيء ووجع بالمفاصل، وهو ما تيقن معه أنه "دخل الهوجة" كما وصف إبراهيم عيد.

و"الهوجة" لدى عيد (41 عاما) هي الوباء الغامض الذي انتشر في قريته دشلوط بمحافظة أسيوط جنوبي مصر وأصاب المئات من أبناء قريته وقرى مجاورة.

وانتشر المرض المجهول بسبع قرى تابعة لمحافظة أسيوط المصرية، تضم أكثر من نصف مليون نسمة، وهي عرب أبو كريم وعزبة أبو العيون، ودشلوط وباويط ونزلة ساو ونجع خضر والرياض.

ورغم مرور ثلاثة أشهر على بداية ظهور أولى حالات المرض، وفق تأكيد أهالي القرى، فإن وزارة الصحة لم تتمكن من تحديد طبيعة المرض وأسبابه. ونفت في بيان لها أن يكون تلوث مياه الشرب وراء الوباء، موضحة أن العينات التي سُحبت من محطات المياه بالقرى مطابقة للمواصفات.

ورغم نفي الصحة وقوع وفيات جراء المرض مكتفية بتسجيل 62 حالة إصابة فقط منذ بداية أكتوبر/تشرين الأول الجاري، فإن أهالي القرى يتحدثون عن عشرات الوفيات.

ووثقت صحيفة "المصري اليوم" المؤيدة للسلطة حالتي وفاة تأثرا بالأعراض المرضية نفسها، وهما راشد فايق (41 عاما) وشيماء أحمد سالم (17 عاما)، ولكن محافظ أسيوط قال في تصريح تلفزيوني إن حالات الوفاة وقعت نتيجة أسباب طبيعية.

وفي تعليق يبدو ليس على مستوى خطورة الوضع، قال وزير الصحة أحمد عماد إن الفيروس غير مصنف، واصفا إياه بمجرد زوبعة مفتعلة تروج لغرض سياسي، وأضاف "ما تكبروهاش".
 

أغلب المستشفيات الحكومية في مصر تعاني الإهمال الشديد (الجزيرة نت)

إهمال حكومي
"المرض بدأ في قرية عرب أبو كُريم ثم انتشر بباقي القرى وهناك آلاف المصابين"، هكذا يبرز عيد مأساة قرى الجنوب.

وأضاف للجزيرة نت أن العدوى تنتشر بسرعة بين أفراد الأسرة الواحدة، موضحا أنه أصيب بالمرض بعد يومين من إصابة ابنته ذات التسعة أعوام التي انتقلت إليها العدوى من مدرستها المكدسة بالطلاب.

وألم المرض يصاحبه معاناة الفقر وعدم القدرة على دفع ثمن الكشف الطبي والعلاج، وعلق عيد "سعر الكشف تجاوز مئتي جنيه (نحو 25 دولارا)، ومع شراء الدواء يتكلف الأمر ما يزيد عن خمسمئة جنيه"، مؤكدا أنهم لجؤوا إلى الكشف الخاص بعدما يأسوا من المستشفيات الحكومية التي لا توفر أجهزة طبية أو علاجا فعالا لحالاتهم.

وأوضح أن دور مستشفى حميات ديروط يقتصر على كتابة وصفات بمضادات حيوية للمرضى رغم أن حالتهم تتطلب الحجز.

أما فاطمة مسعد (44 عاما) فأوضحت إصابة سبعة من أفراد أسرتها. وأكدت للجزيرة نت وقوع عشرات الوفيات، وأردفت "في قريتنا دشلوط هناك ثلاث حالات وفاة ولكن الأخبار تأتينا من القرى الأخرى أن عشرات الحالات قد توفيت".

ودشن أهالي القرى المنتشر بها المرض صفحة عبر موقع فيسبوك باسم "ولا تزعل نفسك" ونشروا صور المرضى، كما دُشن وسم (هاشتاغ) "دشلوط تستغيث".

ناشطون بمواقع التواصل الاجتماعي دشنوا هاشتاغ دشلوط تستغيث (الجزيرة نت)

غموض
وقال الدكتور مصطفي كمال، وهو طبيب بأحد مستشفيات الحميات، إن الأعراض التي تظهر على المصابين يمكن تشخيصها ظاهريا على أنها تيفود أو التهاب سحائي (حمى شوكية)، مضيفا أن التحاليل المعملية هي الفيصل في تحديد نوع المرض.

ورغم ذلك يميل كمال في حديثه للجزيرة نت، إلى أن المرض المنتشر هو التيفود، مستبعدا أن يكون الوباء المنتشر غير مصنف.

وأشار إلى البيئة غير الصحية بمحافظات الصعيد، مما يؤهل التيفود إلى التمدد، محذرا من عدم تدارك الوضع، مما قد يحول الانتشار الوبائي إلى توطن.

ونبه الطبيب إلى ضرورة إبعاد الحوامل والأطفال عن المنطقة، موضحا أن التيفود ينتشر نتيجة الطعام والمياه الملوثة، كما أن استخدام أدوات المريض يسبب العدوى المباشرة.

وإذا كان الوباء المنتشر هو التيفود فيمكن السيطرة عليه بالإدارة الحكيمة عبر حجز الحالات بالمستشفيات، وضمان سلامة الغذاء والمياه، مع ملاحظة من لم تظهر عليهم الأعراض بعد، لأن هناك فترة حضانة للتيفود لا تظهر خلالها أي أعراض على المصاب، وفق قوله.

ولكن القائم بأعمال وكيل وزارة الصحة بأسيوط الدكتور رأفت عوض أوضح عدم وجود تفسير علمي لما يحدث، مضيفا أن الأمر لا يرقى إلى درجة وباء.

وأوضح في تصريح صحفي أن "الوحدة الصحية المسؤولة عن أكثر من 40 ألف شخص بقرية دشلوط تعمل بنصف طبيب فقط لأن الطبيب المسؤول يعمل ثلاثة أيام بها وثلاثة أيام بوحدة صحية أخرى".

المصدر : الجزيرة