د. محمد الكلزي*

في غمرة الانشغال بالعودة إلى المدرسة ومتطلباتها ولوازمها يغفل الكثير من الأهل عن موضوع صحة الفم والأسنان، والذي يشكل جزءا لا يتجزأ من صحة الطفل في المدرسة، فمثلا تؤثر مشاكل الأسنان والتهابها والألم الناتج عنها على دوام الطفل وتحصيله، وهي من أسباب الغياب عن المدرسة مما يؤثر سلبا على التحصيل الدراسي للطفل.

فالمسؤولية عن صحة الفم والأسنان للطفل مشتركة بين الأهل والمدرسة، ولكل منهما دور يكمل دور الآخر. ولذلك من الضروري أن يعرف كل طرف واجباته في توفير الرعاية السنية الملائمة للطفل التي ستنعكس في وقايته من الكثير من الآلام والأمراض التي تنتج عن إهمال صحة الأسنان وعدم العناية بها.

ومن السلوكيات الصحية والتي بدأت للأسف بالاختفاء في كثير من البيوت العربية في هذه الأيام تناول وجبة الإفطار في البيت قبل الذهاب إلى المدرسة٬ إذ أوكل أمر غذاء الطفل إلى مقصف المدرسة والذي ليس في جميع الأحوال بالضرورة يلبي المتطلبات الصحية لغذاء الطفل ومنها صحة فمه وأسنانه.

إن عادة الإفطار في المنزل مهمة ومفيدة من عدة نواح ومنها صحة أسنان الطفل، إذ يتناول الطفل على مائدة الافطار طعاما متنوعا يحوي الألياف والبروتينات وتكمل الفائدة بتفريش الأسنان بعد تناول الافطار ثم الذهاب إلى المدرسة بأسنان نظيفة ورائحة فم عطرة.

من السلوكيات الصحية التي لا أزال أذكرها عندما كنت تلميذا في المدرسة "الزوادة" المدرسية التي كانت تعدها لنا الوالدة حفظها الله لنأخذها معنا إلى المدرسة لنتناولها في الفسحة "الفرصة" المدرسية٬ وكانت تضع لنا فيها محتويات صحية من الفاكهة الطازجة وشطيرة الجبنة إلى جانب العصير الطازج أو الماء للشرب

"الزوادة"
ومن السلوكيات الصحية التي لا أزال أذكرها عندما كنت تلميذا في المدرسة "الزوادة" المدرسية التي كانت تعدها لنا الوالدة حفظها الله لنأخذها معنا إلى المدرسة لنتناولها في الفسحة "الفرصة" المدرسية٬ وكانت تضع لنا فيها محتويات صحية من الفاكهة الطازجة وشطيرة الجبنة إلى جانب العصير الطازج أو الماء للشرب.

وللمدرسة وأعضاء الهيئة التدريسية دور في التوعية وتوجيه التلاميذ إلى السلوكيات الصحية، ومنها توضيح الغذاء الصحي من الغذاء غير الصحي وتعليمهم السلوكيات الصحية كأهمية تفريش الأسنان وتدريبهم بالأمثلة التوضيحية والفيديو على الطريقة الصحيحة لتفريش الأسنان.

وأيضا توعية وإشراك الأهل في صحة الفم لأبنائهم من خلال الأمسيات واللقاءات مع أولياء الأمور التي تنظمها المدرسة وتدعو لها آباء وأمهات التلاميذ وتطرح فيها مواضيع متنوعة ينبغي ألا يغيب عنها موضوع صحة الفم والاسنان.

ويتم ذلك على الوجه الأمثل بالتعاون مع هيئة الصحة المدرسية التي يقع على عاتقها أيضا مسؤولية الفحص الدوري السنوي لأسنان تلاميذ المدارس ورياض الأطفال٬ وإعداد البرامج الوقائية والخطط الصحية لهذه الشريحة المهمة من المجتمع والتي تشكل رجال ونساء المستقبل.

ويقع على عاتق المدرسة أيضا تأمين المرافق المدرسية لتسهل وتدعم العناية وتفريش الأسنان كتوفير دورات المياه والمغاسل النظيفة! المزودة بالمرايا ليستطيع التلاميذ تفريش أسنانهم فيها.

المقصف المدرسي
وهو النافذة التي يحصل منها التلاميذ على الغذاء والمسليات الغذائية في المدرسة، ولا تخلو هذه المسليات الغذائية من مكونات قد تشكل ضررا كبيرا على أسنان الطفل٬ وهنا تأتي مسؤولية المدرسة في توجيه ومراقبة نظام المقصف المدرسي ليقدم الغذاء الصحي ويدعم العادات والسلوكيات الصحية.

هناك عوامل خطورة في الغذاء نفسه من ناحية تأثيره على الأسنان، الأول محتواه من السكر والثاني قوامه وقدرته على الالتصاق بسطح السن٬ والثالث تكرار تناول الغذاء

وهناك عوامل خطورة في الغذاء نفسه من ناحية تأثيره على الأسنان، الأول محتواه من السكر والثاني قوامه وقدرته على الالتصاق بسطح السن٬ يضاف إلى هذين العاملين عامل ثالث له علاقة بعادات وتكرار تناول الغذاء.

محتوى الغذاء من السكر
لا يكاد يخلو أي غذاء من السكر أو النشويات، وهذا ليس بمشكلة فالسكريات والنشويات مواد هامة في التغذية وضرورية للنمو ومصدر للطاقة خاصة عند الأطفال٬ ولا يمكننا أن نمنع الطفل منها لكن ينبغي الاعتدال في تناولها واختيار منها الأشكال الأقل ضررا على الأسنان.

فمثلا تحتوي بعض الأغذية على نسب عالية من السكر وليس لها قيمة غذائية معتبرة مثل الكاتشب والمشروبات الغازية والعصائر المحلاة -التي يراها البعض لذيذة ولكنها ضارة- ويسمى السكر في هذه المنتجات "السكر الخفي" (Hidden Sugar)، وذلك لعدم قدرة المستهلك على معرفة المحتوى العالي من السكر في هذه المنتجات.

قوام الغذاء ودرجة التصاقه
وهناك نوعان من قوام الأغذية غير الملائمة لصحة الأسنان خاصة في المدرسة، الأغذية الطرية أو الرخوة مثل المعجنات والحلويات الطرية والكاتو، والأغذية اللاصقة مثل التوفي والجلاتين وحلوى غزل أو شعر البنات والعلكة المحلاة بالسكر٬ ويكمن ضررها في طول تماسها مع سطوح الأسنان! وبالتالي تمد البكتريا على سطح السن لفترة أطول بالسكر اللازم لإنتاج الأحماض التي تحلل ميناء السن وتحدث النخر.

التكرار
إذ إن تكرار تناول السكريات والأغذية الحاوية على السكر في فترات متقاربة ولو بكميات قليلة هو أخطر على الأسنان من تناول كمية كبيرة دفعة واحدة، وذلك لأن البكتيريا يصلها بالحالة الأولى باستمرار امدادات من السكر لتتابع عملها في نخر الأسنان٬ بينما في حال تناول الغذاء من خلال الوجبة الواحدة ثم تفريش الأسنان فإن البكتريا لا تجد السكريات اللازمة لعملها في إنتاج الأحماض وتخريب ميناء السن.

زود طفلك بالماء النقي ليستخدمه للشرب بشكل أساسي٬ ولا بأس بقارورة صغيرة من الحليب أو العصير الطبيعي غير المحلى على أن يشربها كلها مع الوجبة الغذائية في الفسحة المدرسية وليس على دفعات عدة بأوقات متعددة

وحتى في حالة عدم إمكانية التفريش فإن اللعاب خلال فترة حوالي نصف ساعة يعدل الأحماض التي تفرزها البكتيريا ما لم تحصل البكتيريا على سكر إضافي من خلال ولو قطعة صغيرة من الحلوى أو أي غذاء يحوي النشويات أو السكر.

ومن هنا تأتي أهمية تعويد الطفل على ست وجبات يوميا -أو أربع-، وفي الفترة بين الوجبات يشرب الطفل فقط الماء النقي أو الزهورات بدون سكر. وحتى العصير ينبغي شربه وقت الوجبة وليس بين الوجبات لاحتوائه على السكر والحموض.

قدم بدائل صحية لطفلك

  • املأ زوادة طفلك المدرسية بالأطعمة الصحية كالفاكهة الطازجة الحاوية على الألياف مثل التفاح واليوسفي والموز والخيار والخوخ وغيرها٬ واستعض عن سندويش كريم الشوكولا بسندويش الجبنة٬ فالجبنة تحتوي على الكالسيوم المفيد للاسنان.
  • زود طفلك بالماء النقي ليستخدمه للشرب بشكل أساسي٬ ولا بأس بقارورة صغيرة من الحليب أو العصير الطبيعي غير المحلى، على أن يشربها كلها مع الوجبة الغذائية في الفسحة المدرسية وليس على دفعات عدة بأوقات متعددة.
  • يمكن للأهل ولمقصف المدرسة أن يقدموا بدائل للتلاميذ عن الحلوى اللاصقة والضارة بالأسنان، وذلك بتوفير الحلوى الخالية من السكر التي يدخل في تركيبها محليات غير السكر مثل (Xylitol)، إذ يستمتع الطفل بالطعم الحلو وبنفس الوقت لا تستطيع البكتيريا استخدام هذا المحلي لإنتاج الحموض الضارة.

هل من الضروري تفريش الأسنان في المدرسة؟
تكون المدرسة مثالية إذا وفرت ودعمت إمكانية تفريش التلاميذ لأسنانهم في المدرسة، وهو أمر ليس بالهين على المدرسة لاحتياجه إلى المرافق الصحية واحتياطيات منع انتقال العدوى، بالإضافة إلى التنظيم والوقت وإشراف المدرسين والمدرسات وتعاون الأهل.

ولكن على المدرسة على الأقل أن تهيئ المرافق الصحية كدورات المياه بحيث تكون ملائمة ومساعدة للتلاميذ الذين يريدون تفريش أسنانهم في المدرسة، وهنا يمكن للأهل تزويد الطفل بفرشاة أسنان ومعجون ضمن علبة مناسبة كتلك الخاصة بالسفر ليأخذها معه إلى المدرسة إن أمكن.

وفي حال عدم القدرة على استعمال الفرشاة والمعجون في المدرسة هناك وسائل يسهل استخدامها لتنظيف الاسنان بعد تناول الطعام في المدرسة، ومنها تفريش الأسنان بالمسواك الذي يحوي الكثير من المواد المفيدة للأسنان واللثة٬ أو مضغ العلكة الخالية من السكر أو الحاوية على الكالسيوم، إذ يحفز مضغها إفراز اللعاب الذي يقوم بدوره بغسل الأسنان وتعديل الأحماض التي تفرزها الجراثيم.
_______________
* أستاذ مشارك وكبير الأطباء في قسم الوقاية وطب أسنان الأطفال، جامعة غرايفسفالد، ألمانيا.

المصدر : الجزيرة