عندما طُلب من طفلين من غزة رسم شيء ما، رسم الأول جده الذي استشهد نتيجة العدوان الإسرائيلي، ورسم الثاني أيضا جده ولكن بلا ساقين إثر إصابته في غارة إسرائيلية. فالحرب تركت آثارا شديدة على أطفال غزة، والنتيجة 326 ألف قاصر وطفل بحاجة إلى الرعاية النفسية في القطاع.

ومنذ بدء الحرب على غزة قتل نحو أربعمائة طفل، أما من تبقى على قيد الحياة فيكافحون محاولين استيعاب الأمور والعنف والقتل الذي عاشوه، والذي نتج عنه تشخيص حالات من متلازمة اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب.

يقول الطبيب النفسي إياد زقوت الذي يدير البرامج المجتمعية للصحة النفسية التابعة للأمم المتحدة في غزة، إنه كثيرا ما تسبب الأحداث الصادمة تشويها معرفيا، فالطريقة التي يرى بها الأطفال ما حدث قد تكون مجتزأة، إذ مثلا يمكن أن يلوموا أنفسهم أو جيرانهم، وهذا ما يمكن أن يكون مضرا للغاية بهم.

وفي مدرسة بجاليا شمال القطاع والتي تحولت إل ملجأ للنازحين، يتوالى الأطفال على ورش الرسم هذه لمدة نصف ساعة، حيث تطلب منهم المعلمات القفز في مكانهم مع إطلاق صرخة وضرب اليدين لمطاردة الأفكار السوداء والإحباط والتوتر المتراكم.

ليس أمام أنظار أطفال غزة
سوى دماء الشهداء (أسوشيتد برس)

أطفال خائفون
وتوزع المعلمات المختصات أقلام تلوين وأوراقا على مجموعة من الأطفال الخائفين، ويطلبن منهم رسم ما يدور في خيالهم.

الطفل جمال دياب (9 أعوام) رسم صورة لجده الذي استشهد، وكتب تحتها "أنا حزين بسبب الشهداء". أما الطفل براء معروف (7 أعوام) فقد رسم أيضا جده بلا ساقين إثر إصابته في غارة إسرائيلية.

وفي الغرفة تتكرر نفس الصور، إذ رسم الجميع طائرة في السماء تقصف منزلا، وكلهم كتبوا عليها "أريد العودة إلى بيتي".

ويشرح زقوت أن هؤلاء الأطفال يعيشون تجربة قاسية، إذ من الصعب عليهم حقا أن يفهموا ماذا يحدث ولماذا اضطروا للهروب من منازلهم والعثور على مكان آخر ليعيشوا فيه، ولماذا شاهدوا تلك المشاهد المؤلمة، "لذلك نتركهم يعبرون عن مشاعرهم"، مضيفا أنه تم تشخيص حالات من متلازمة اضطراب ما بعد الصدمة وحالات اكتئاب مراهقة.

ويقدر صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) أن الأطفال يشكلون ما نسبته 31% من شهداء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ بدايته يوم 8 يوليو/تموز الماضي.

طفل يموت وأطفال يشاهدون موته (رويترز)

لا علاج متاح
ولكن من الصعب المضي قدما في العلاج النفسي بقطاع غزة حيث فرّ نحو ربع السكان -أي نحو 460 ألفا- من منازلهم ولجؤوا إلى منازل أقاربهم أو إلى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

ولا يوجد سوى أقل من مائة معلم "لمعالجة" مئات الآلاف من الأطفال. وباستثناء الحالات الخطيرة فإن الأطفال لا يستطيعون الحصول على لقاءات خاصة مع الأطباء النفسيين وعلماء النفس للحصول على مساعدتهم، ناهيك عن المتابعة.

وبحسب اليونيسيف فإن 326 ألف قاصر وطفل بحاجة إلى الرعاية النفسية في قطاع غزة. وهناك مئات الآلاف من الأطفال الذين تأثروا بالحرب والذين يهيمون على وجوههم في الشوارع والأحياء المتضررة.

المصدر : الفرنسية