ديفرا ي كلاين* وجاري كلاين** وشاونا ج بيري***

يوازن كل نظام صحي بين التغطية والجودة والتكلفة، وعادة ما يركز على واحدة أو اثنتين على حساب الأخرى، فعلى سبيل المثال يبدو أن الأنظمة الأوروبية تركز على التغطية من أجل التحقق من قدرة عالمية على الوصول للرعاية، وعلى النقيض من ذلك فإن الجودة تعتبر شيئا أساسيا في الولايات المتحدة الأميركية.

لكن بغض النظر عن نظرة الشخص إلى الأولويات الصحيحة فإن من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية لديها مجال للتحسن في جميع تلك الأمور الثلاثة، ولحسن الحظ تبذل الجهود حاليا من أجل التعامل مع كل منها. والجهود في الولايات المتحدة الأميركية لها أبعاد على الدول الأخرى أيضا.

إن قانون حماية المرضى والرعاية التي يمكن تحمل تكاليفها في الولايات المتحدة الأميركية -التشريع التاريخي والذي يعرف على نطاق واسع حاليا باسم "أوباماكير"- يهدف إلى توسيع التغطية، بينما تحاول ما يطلق عليه "منظمات الرعاية" التي تخضع للمحاسبة مثل كايزر بيرمانيت احتواء التكاليف عن طريق التوفيق بين مصالح المزودين والدافعين للأموال.

ويعرف الطب المبني على الأدلة (Evidence-Based Medicine) بأنه الاستخدام الحكيم بدافع الضمير لأفضل الأدلة والبراهين الحالية لاتخاذ قرارات تخص الرعاية الصحية للأفراد المرضى. وهو يركز على التجارب والأدلة ويتجاهل خبرة الطبيب وتجاربه السابقة وآرائه. 

إن الجهود من أجل رفع الجودة من خلال تطبيق الطب المبني على الأدلة (Evidence-Based Medicine) تخاطر بتجاهل ما نعرفه عن المعرفة والخبرة البشرية

ولكن الجهود من أجل رفع الجودة من خلال تطبيق الطب المبني على الأدلة  تخاطر بتجاهل ما نعرفه عن المعرفة والخبرة البشرية ويمكن أن تقوض الدور الحيوي لرأي الطبيب القائم على الخبرة.

ثلاثة أسباب
توجد هناك ثلاثة أسباب تجعل المرء يشعر بالقلق: أولا، إن الطب المبني على الأدلة يعتمد في الأساس على انعدام الثقة في حدس الأطباء، أي الأحكام المبنية على أساس النماذج والتي تعتمد على سنوات من الخبرة. إنه من المؤكد أن هناك أسبابا جيدة تجعلنا نشعر بالتشكك من الحدس نظرا للحالات التي لا تحصى والتي أثبتت خطأ ذلك الحدس، ولكن هذا لا يعني أن جميع حالات الحدس خاطئة أو أنه لا يوجد مكان للحدس في الرعاية الصحية.

إن الأطباء يطورون خبرتهم على مر السنين، وعندما تتاح لهم فرص كثيرة للحصول على آراء تتعلق بأحكامهم فإن حدسهم يصبح قيما، خاصة في الحالات الأكثر تعقيدا. إن الطبيب الخبير سوف يقيم الإشارات الحيوية للمريض ويختبر النتائج في سياق حياة المريض على سبيل المثال، سواء كان المريض شخصا ثمانينيا يعاني من السكري وسعال المدخنين أو طفلا ولد قبل الأوان بثلاثة أسابيع. إن بإمكان الطبيب باستخدام الاستدلال والحدس والخبرة وبشكل أفضل أن يفهم حالة معقدة ويطور خطة.

وفي الحقيقة، فإن استنتاجات الدكتور الخبير يمكن أن تكون أكثر دقة من تلك التي يوفرها الطب المبني على الأدلة، وذلك نظرا لأن الطب المبني على الأدلة -وإن كان مبنيا على معلومات من اختبارات عشوائية وتجارب صارمة- فهو مصمم لمواقف تشابه ظروف المرضى في تلك الاختبارات. إن المشكلة تحدث عندما يتغير السياق وتصبح نتائج الاختبارات أقل موثوقية.

استنتاجات الدكتور الخبير يمكن أن تكون أكثر دقة من تلك التي يوفرها الطب المبني على الأدلة

وفي مثل تلك الحالات يتوجب على الطبيب أن يحدد مدى تطابق وضع المريض مع الوضع في الدراسات ذات العلاقة. ولو كان المرض ليس في حالة متقدمة كما يظهر في الاختبارات فإنه يتوجب على الطبيب أن يقرر ما إذا كان سيتبع النظام العلاجي الموصى به. وفي نهاية المطاف فإن الحكم النهائي يعتمد على الخبرة الشخصية والتعرف على النموذج، وهي مقاربة يطرحها جانبا أو حتى يستهين بها أنصار الطب المبني على الأدلة.

القليل من التوجيه
إن المشكلة الثانية المتعلقة بالطب المبني على الأدلة أنه يعطينا القليل من التوجيه عندما تكون الحالة الطبية في حالة تطور. فعلى سبيل المثال، فإنه من الممكن أن يكون الربو الحاد موضع تركيز العلاج في لحظة ما ولكن يمكن أن ينتقل هذا التركيز إلى مرض السكري الذي يعاني منه المريض لاحقا. إن توجيهات الطب المبني على الأدلة تركز على الربو أو السكري وليس كلاهما أو حتى كيف يمكن أن يتفاعلا ويتغيرا مع مرور الوقت.

وأخيرا وربما الأكثر أهمية، فإن على المرء أن يسأل كيف يمكن للأطباء أن يتخذوا قرارات عندما تكون هناك فجوات في الأساس المعرفي للطب المبني على الأدلة. إن الأطباء عادة ما يحددون التوجهات ويطورون الفرضيات والتي تنطوي على التخمين والتي يتم التحقق منها عن طريق الاختبارات فقط في وقت لاحق.

إذن، هل يتوجب على الأطباء تجاهل النماذج التي يلاحظونها حتى تتوفر المعلومات؟ إن المرء ليتساءل كيف يمكن لتلك الاختبارات أن تبدأ لو لم يقم الأطباء بشكل مؤقت باستكشاف المشكلة في المقام الأول، علما أن الإصرار أن تكون جميع قرارات العلاج مبنية على أساس أفضل الممارسات الموجودة حاليا يكبت هذا الاستكشاف ويمنع تحقيق اختراقات محتملة في المجال الطبي.

المصادر المهمة للطب المبني على الأدلة قد ثبت أنها مضللة، فمثلا لقد ثبت أن دراسة فرامينغهام للقلب -والتي تعتبر متميزة في هذا المجال- هي دراسة خاطئة بسبب تركيزها على الذكور من البيض

إن أنصار الطب المبني على الأدلة يردون بأن وظيفة الباحثين هي أن يتوصلوا إلى المعلومات التي يمكن تحويلها إلى أفضل الممارسات. إن دور الطبيب هو تطبيق النتائج ولكن هذه المقاربة هي عكس التاريخ الطبي الذي يشهد أن التقدم يتم إحرازه فقط بعد أن يلاحظ الأطباء الممارسون وجود أشياء شاذة ويكتشفوا وجود عيوب في "أفضل الممارسات" الحالية. إن العديد من الاكتشافات الطبية من علاج القرحة إلى استبدال المفاصل تطورت من خلال فضول الطبيب وليس نتيجة للاختبارات.

مصادر مضللة
إن المصادر المهمة للطب المبني على الأدلة قد ثبت أنها مضللة. لقد ثبت أن دراسة فرامينجهام للقلب -والتي تعتبر متميزة في هذا المجال- هي دراسة خاطئة بسبب تركيزها على الذكور من البيض، فعلى سبيل المثال إن من الأعراض الرئيسية للنوبة القلبية والتي حددتها الدراسة "الشعور بأن فيلا يجلس على صدري" وهو من الأعراض التي نجدها لدى 5% من النساء فقط. وكما اعترف لنا أحد أطباء الطوارئ بندم "أنا أفكر في كل هؤلاء النساء اللاتي أرسلتهن إلى منازلهن ليلقين حتفهن لأنني كنت أتبع أفضل الممارسات".

وبينما ننظر في إمكانية أن يحصل الأطباء الذين يتقيدون بالطب المبني على الأدلة على أموال أكثر، يجب أن ننظر إلى المحددات المعرفية والتكلفة البشرية للتقيد الذي لا جدال فيه مع ما يطلق عليه "أفضل الممارسات". إن المقاربة الأكثر فعالية يجب أن تكون ضم الطب المبني على الأدلة إلى خبرة وحدس مقدمي الرعاية من أصحاب الخبرة وأن نأخذ فوائدهما معا.
________________
* مديرة في مؤسسة كونتينيوم وهي طبيبة نفسية معرفية تعمل في تصميم المنتجات والأنظمة والخدمات الطبية.
** كبير العلماء في شركة ماكروكوجنيشين ش م م ومؤلف كتاب "رؤية ما لا يراه الآخرون: الطرق المتميزة لاكتساب البصيرة".
*** مديرة هندسة أنظمة سلامة المرضى في جامعة فيرجينيا لأنظمة الصحة في جامعة فيرجينيا كومنويلث، وهي أستاذة في طب الطوارئ في كلية الطب في جامعة فيرجينيا كومنويلث.

المصدر : بروجيكت سينديكيت