يشتكى ذوو المصابين بمرض التوحد من قلة الاهتمام الرسمي والأهلي، خصوصا في ظل ازدياد أعداد المصابين به بشكل لافت في الأعوام الأخيرة التي أعقبت تعرض مناطق سكانية للقصف بالفسفور الأبيض خلال الهجمات الإسرائيلية على غزة نهاية العام 2008.

أحمد فياض-غزة

لا يتوقف مصطفى (5 أعوام) عن الضحك أو الصراخ المفاجئ والتحليق في مروحة سقف حجرة فصله،  فهو يعاني من مرض التوحد، واهتدت أسرته إلى روضة الأمل للتربية الخاصة وأطفال التوحد بمدينة غزة حديثا، بعد أن مضى على افتتاحها أشهر قليلة.

ويفضل الطفل مصطفى عدم الاختلاط بالآخرين ولا يكترث للنداء عليه، ولا يبالي بمن حوله. وعن ذلك تقول والدته شرين الدوس إن تأخر نطق طفلها وتركيز انتباهه على التلفاز، وعدم استجابته للمؤثرات المحيطة به قبل أن يتم عامه الثاني، دفعها لعرضه على عدة مؤسسات طبية تضاربت تقديرات الأطباء فيها بشأن تشخيص حالته.

بعد أشهر طويلة من العناء ساقتها الأقدار إلى مؤسسة محلية معنية بتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة، وهي من أكدت لها إصابة طفلها بمرض التوحد.
روضة الأمل تسهم بشكل متواضع
في علاج أطفال التوحد
 (الجزيرة نت)

وتثني أم مصطفى على دور الروضة في تحسن بعض من سلوك ابنها فيما يتعلق بنطقه بعض الكلمات، وقضاء حاجته بمفرده ومعرفة اسمه، فضلا عن تناوله طعامه وشرابه بمفرده وتجاوبه مع الآخرين.

ويعود التحسن الذي طرأ على حالة مصطفى إلى إصرار أسرته على الذهاب به يوميا إلى الروضة وتعاونها الكامل والمستمر مع المشرفات فيها، وهو اهتمام لا يحظى به كثير من المصابين بالتوحد في غزة لبعد مكان سكناهم عن الروضة، وعدم مقدرة ذويهم على دفع أقل التكاليف اللازمة لتأهيلهم.

قلة اهتمام
ويشتكي ذوو المصابين بالتوحد من قلة الاهتمام الرسمي والأهلي، خصوصا في ظل ما يعيشه القطاع من ظروف معيشية واقتصادية صعبة، وازدياد أعداد المصابين به بشكل لافت في الأعوام الأخيرة التي أعقبت تعرض مناطق سكانية للقصف بالفسفور الأبيض خلال الهجمات الإسرائيلية على غزة نهاية العام 2008.

وتعاني غزة من انعدام المراكز المعنية بتشخيص المصابين بالتوحد، أو حتى تلك المهتمة بتأهيلهم وإكسابهم مهارات حياتية تعينهم على تحسين النطق واللعب والتعاون مع الآخرين.

ويميل المصابون بالتوحد إلى العزلة ويعجزون عن تفسير العواطف، ولا يتمكن بعضهم من الكلام، بينما يتمتع البعض الآخر بقدرات كلامية وحركية متميزة، لكنهم يبقون مختلفين عن أقرانهم.

 زينب مريش: ازدياد أعداد المصابين بالتوحد وراء تأسيس روضة الأمل (الجزيرة نت)

ويعرف التوحد بأنه اضطراب معقد تظهر أعراضه خلال السنوات الأولى من عمر الطفل، ومن أبرز أعراضه تفضيل النظر إلى الأشكال الدائرية، كما يصعب على المصاب به إقامة علاقات مع محيطه، وتفضيل الانطواء والعزلة.

ولا يمكن توفير العلاج التام للأطفال المتوحدين، ويحتاج تأهيلهم وتعديل سلوكهم وما يعانونه من مشاكل لغوية إلى جهد شاق، لأنه من المستحيل إصلاح الخلل الدماغي، ولكن يمكن المساعدة في تعديل الكثير من السلوكيات والمشاكل اللغوية ليستطيع العيش بسهولة في المجتمع الكبير.

وتؤكد زينب مريش مديرة روضة الأمل التي افتتحتها مع عشر من زميلاتها المتطوعات والخريجات من إحدى الكليات المعنية بتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة بغزة، أن ازدياد أعداد المصابين بالتوحد وعدم توفر المراكز المعنية بتأهيلهم كان من أهم الدوافع وراء تأسيس الروضة قبل عشرة أشهر.

جهود شاقة
وتحدثت مريش عن الجهود الشاقة والمضنية التي تبذلها المتطوعات في سبيل تأهيل عشرات الأطفال، بالتعاون مع عدد من المختصين في مجال تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.

جهاد حماد: معظم المصابين بالتوحد
أمهاتهم استنشقن الفسفور الأبيض
 (الجزيرة نت)

وأوضحت أن الروضة -التي افتتحتها على حسابها الخاص وبدعم من ذويها- ساهمت في تعديل سلوك العديد من الأطفال، ولكن ينقصها الدعم من أجل استيعاب مزيد من المصابين، وزيادة أعداد المختصين في مجال التأهيل ودعم برامج مشاركة الأهل في التأهيل.

واشتكت مديرة الروضة من عدم استجابة المؤسسات الرسمية والجمعيات الخيرية في دعم هذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة، مشيرة في هذا الصدد إلى أنها أرسلت رسالة باسم ذوي المصابين بالتوحد لرئيس الحكومة الفلسطينية المقالة من أجل العمل على دعم هذه الشريحة الآخذة في الازدياد.

ولا تتوفر في غزة إلى اللحظة أي إحصاءات رسمية أو غير رسمية بشأن أعداد المصابين بالتوحد ونسبة زيادتهم.

لكن أخصائي التخاطب المعني بتأهيل مصابي التوحد في غزة جهاد حمادة أكد أنه استنادا إلى مقابلات ذويهم، فإن معظم المصابين بالتوحد أبناء أسر فقيرة وتعرضت أمهاتهم أثناء حملهن لاستنشاق الفسفور الأبيض خلال الحرب على غزة عام 2008.

وأوضح حمادة في حديثه للجزيرة نت أن غزة تعاني من نقص كبير في المختصين وفي مراكز التأهيل الخاصة بتشخيص وتأهيل مرضى التوحد.

المصدر : الجزيرة