تسبب نشر فيلم وثائقي يقدم طريقة جديدة للموت الرحيم في إثارة جدل في الأوساط الطبية والسياسية الألمانية. وتقوم فكرة "التقنية الجديدة في الانتحار" على مفهوم الموت الطوعي الذي يلقى معارضة كبيرة وإنْ كان القانون الألماني لا يجرمه.

ويحكي الفيلم قصة ماريون ذات الستة والخمسين عاما التي كانت تتمتع بصحة جيدة قبل أن تصاب فجأة بداء الزحار الأميبي الخطير أثناء قضائها إجازة في إندونيسيا. وبعد أن فشلت كل محاولات الأطباء في معالجة الداء الذي دمر جهازها الهضمي، تدهورت حالة المرأة الصحية بشكل فظيع، وهو ما أدى بها إلى اتخاذ قرار الإمساك عن الأكل والشرب حتى الموت.

وقالت ماريون إنها قاومت المرض بكل قواها رغم الآلام التي لا تطاق واللحظات اليائسة التي سببها لها، ولكنها لم تعد تستطيع تحمل هذه المعاناة. وتوفيت ماريون في أغسطس/آب 2013 بعد قرابة ثلاثة أسابيع من دون أكل وشرب، آزرتها خلالها ابنتها وأحد الأطباء.

وتعيد هذه القصة طرح تساؤل وهو هل يشكل تحول الحياة بسبب مرض عضال أو التقدم في السن إلى معاناة لا تطاق عذرا ومبررا للإقدام على الانتحار فيما بات يعرف بـ"الموت الرحيم"؟ 

بعض الأطباء يرون أن مرافقة الصائمين حتى الموت لا تندرج ضمن المحظورات القانونية، لأنها لا تتضمن إجراءات طبية أو تقنية تقصر من عمر المعني

معارضة
ويقابل الموت الرحيم بمعارضة كبيرة في الأوساط المحافظة، وهو ما تعكسه محاولات سن قانون يحظر المساعدة على الموت، فشل في أن يرى النور بداية 2013 بسبب خلافات بين الاتحاد المسيحي الديمقراطي المحافظ والحزب الديمقراطي الحر، الحاكمين حينها.

أما الأطباء فإن هيئتهم (الجهة التي تنظم عمل الأطباء في ألمانيا) تمنعهم من تقديم المساعدة على الموت وتعاقب المخالفين بسحب تصاريح عملهم. ولكن يرى بعض الأطباء أن مرافقة الصائمين حتى الموت لا تندرج ضمن ما تحظره الهيئة، لأنها لا تتضمن إجراءات طبية أو تقنية تقصر من عمر المعني.

ويقول الطبيب رولاند هانكه لصحيفة تسايت "إننا نحن الأطباء لم نعد مجبرين على فرض التغذية الاصطناعية على المرضى الذين يرفضون ذلك، وهو ما يعتبره تطورا كبيرا، مضيفا أنه ليس من حقنا أن نجبر أحدا على تناول الطعام، بل علينا أن نتقبل قرار من يريد أن يتوقف عن الأكل والشرب، لا أرى في ذلك تناقضا مع أخلاقيات الطبيب".
 
ويرافق هانكه أربع إلى خمس حالات صوم حتى الموت سنويا، بعد أن يجري معها ومع ذويها حوارات مطولة للتأكد من عزمهم على ذلك.

هاردينغهاوس:
إذا صار الامتناع الطوعي عن الطعام والشراب معيارا عاديا، فقد يفتح هذا الباب على مصراعيه أمام تقبل المساعدة على الموت

مخاطر اجتماعية
بالمقابل هناك أطباء يحذرون من المخاطر الاجتماعية للظاهرة، مثل فينفريد هاردينغهاوس، الذي يحذر من أنه إذا صار الامتناع الطوعي عن الطعام والشراب معيارا عاديا، فقد يفتح هذا الباب على مصراعيه أمام تقبل المساعدة على الموت.

من جهته أكد ألفريد سيمون -من أكاديمية أخلاقيات الطب- على أهمية التأكد من أن الصائم اتخذ قرار الموت طوعا وهو في كامل قواه العقلية، معتبرا أن المصابين بالقهم العصبي مثلا أو بالاكتئاب لا يجوز اعتبار قرارهم الصوم حتى الموت قرارا واعيا ومسؤولا. ونوه سيمون إلى القوانين التي تأمر بإيداع الأفراد الذين يشكلون خطرا على أنفسهم في المصحات العقلية، حتى وإن كان ذلك ضد إرادتهم.

المصدر : دويتشه فيلله