كل نَفَس نستنشقه
آخر تحديث: 2014/3/4 الساعة 20:47 (مكة المكرمة) الموافق 1435/5/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/3/4 الساعة 20:47 (مكة المكرمة) الموافق 1435/5/4 هـ

كل نَفَس نستنشقه

 يجب على الحكومات اتخاذ إجراءات فعالة من أجل تخفيض تلوث الهواء (الأوروبية)
ديفد روبرت* ونيك ريزلاند**

إن القصص المخيفة عن السديم الإندونيسي المهاجر والضباب الدخاني في شمال الهند بعد احتفالات الدوالي وعودة الضباب الدخاني ذي المستويات العالية جدا للصين هي دليل على المشاكل التي حدثت مؤخرا والمتعلقة بالتلوث الهوائي في آسيا. إن المشكلة ليست محصورة في آسيا فتلوث الحبيبات في الهواء الطلق يؤدي إلى مصرع أكثر من 3.1 ملايين إنسان في العالم كل عام، أي أعلى بمعدل خمس مرات مقارنة بالأشخاص الذين يموتون بسبب الملاريا وأقل قليلا من ضعف المعدل الحالي لوفيات الإيدز.

إن الملوثات المحمولة جوا وخاصة الحبيبات الدقيقة -أصغر من 2.5 ميكرون أو تقريبا نفس عرض أحد حبال شبكة العنكبوت- تدخل في عمق الرئة، ومن هناك تدخل مجرى الدم مما يسبب أمراض القلب والسرطان وربما الولادات المبكرة.

وللأسف فإن المناقشات المتعلقة بالموضوع تفتقد للشفافية. إن نوعيه الهواء السيئة عادة ما يتم وصفها على أنها قد وصلت لمستوى معين على مؤشر نوعية الهواء أو إنها وصلت لدرجة معينة فوق مقياس محدد لمنظمة الصحة العالمية، ولكن عامة الناس قد تفهم الوضع بشكل أفضل لو تم تأطيره باستخدام عبارات يمكن مقارنتها بسهولة مع مخاطر أكثر اعتيادية.

إن الملوثات المحمولة جوا وخاصة الحبيبات الدقيقة تدخل في عمق الرئة، ومن هناك تدخل مجرى الدم مما يسبب أمراض القلب والسرطان وربما الولادات المبكرة

مخاطر فورية
على سبيل المثال فإن المخاطر الفورية لاستنشاق الهواء الملوث يمكن وصفها باستخدام "الميكرومورت" وهي وحدة تمثل فرصة واحد في المليون بالنسبة للوفاة. إن الشخص العادي في اليوم العادي يواجه خطرا يتمثل في حوالي ميكرومورت واحد وذلك من الأسباب غير الطبيعية.

إن هذا يعطينا نقطة بداية مفيدة من أجل إجراء مقارنة، إن خطر الغوص على سبيل المثال هو خمسة ميكرومورات لكل غطسة وخطر القفز الحر بالمظلات هو عشرة ميكرومورات لكل قفزة، بالمقارنة بذلك فإن التنفس في الصين في أكثر الأيام تلوثا يساوي تقريبا 15 ميكرومورات.

لكن المخاطر الأكثر إثارة للقلق من التلوث الهوائي تنشأ عن التعرض المستمر. إن هذا يمكن التعبير عنه باستخدام مصطلح " ميكرولايفز" وهي وحدة تم تطويرها من قبل الأخصائي في جامعة كامبريدج ديفد شبيجلهالتر من أجل وصف مخاطر الشخص التراكمية طيلة حياته. إن واحد ميكرولايف يمثل ثلاثين دقيقة من العمر المتوقع لشاب بالغ عادي. إن الشخص العادي يستخدم حوالي 48 ميكرولايفز في اليوم ولكن أسلوب الحياة يؤثر على سرعة استهلاك كل ميكرولايف.

بكين مثلا
إن إقامة الشخص في بكين -والتي تعاني من الضباب الدخاني- سوف تكلفه حوالي 2-3 ميكرولايف إضافي باليوم مما يعني تخفيض متوسط العمر المتوقع بحوالي ثلاث سنوات. إن الإقامة في هونغ كونغ أو سنتياغو في تشيلي سوف تكلف ميكرولايف إضافيا باليوم أما الحياة اليومية في نيودلهي وهي واحدة من أكثر مدن العالم تلوثا سوف تكلف 4-5 ميكرولايف على وجه التقدير.

إقامة الشخص في بكين سوف تكلفه حوالي 2-3 ميكرولايف إضافي باليوم مما يعني تخفيض متوسط العمر المتوقع بحوالي ثلاث سنوات

بالمقارنة بذلك فإن تدخين أربع سجائر باليوم سوف يكلف المدخن حوالي 2 ميكرولايف أي ما يعادل الإقامة في بكين تقريبا، ولكن يمكن إبطاء عملية التقدم بالعمر فممارسة التمارين الرياضيه لمدة عشرين دقيقة يوميا سوف تطيل متوسط العمر المتوقع بمقدار 2 ميكرولايف باليوم -ما لم يتم عمل ذلك في أجواء من الضباب الدخاني- كما أن شرب من 2-3 أكواب من القهوة يوميا يوفر ميكرولايف إضافيا باليوم. إن الأبحاث الأخيرة تشير إلى أن بعض إن لم يكن كل الميكرولايفز التي يتم فقدانها من العيش في بكين يمكن استعادتها عن طريق الانتقال إلى فانكوفر على سبيل المثال بهوائها النقي.

ويمكن للمرء التخفيف على الأقل من بعض المخاطر بالإضافة إلى الانتقال من مدينة لأخرى وذلك عن طريق الحد من تعرضه في الأيام الخطرة على وجه الخصوص ولو كان للمواطنين حق الوصول للمعلومات الحالية المتعلقة بنوعية الهواء فإن من الممكن أن يختاروا أن يأخذوا إجراءات حمائية مثل التقليل من المجهود البدني وعدم الخروج ولبس قناع خاص للوقاية من التلوث، ليس قناعا جراحيا.

معلومات مهمة
للأسف فإن معلومات نوعية الهواء وخاصة بالنسبة للحبيبات الدقيقة الأكثر خبثا ليست متوفرة بسهولة في العديد من المدن الأكثر تلوثا، ولكن مثل هذه المراقبة ليست خارج متناول الدول النامية لأن المعدات اللازمة ليست مكلفة كثيرا. إن الحل الأمثل هو تجميع المعلومات المتعلقة بنوعية الهواء وترجمتها إلى لغة يمكن فهمها بسهولة وتوزيعها على نطاق واسع وبتوقيت مناسب من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وذلك حتى يتسنى لقاطني المدن اتخاذ الإجراء المناسب وخاصة بالنسبة للأشخاص الأكثر ضعفا. وفي هذا الخصوص حققت الصين خطوات كبيرة وهذا يعتبر مثالا جيدا يمكن أن تتبعه البلدان النامية الأخرى.
يجب ألا تتوقف الحكومات عند المراقبة بل يجب اتخاذ إجراءات فعالة من أجل تخفيض تلوث الهواء

وبالطبع يجب ألا تتوقف الحكومات عند المراقبة بل يجب اتخاذ إجراءات فعالة من أجل تخفيض تلوث الهواء. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ضغوط التمدن السريع والتنمية الصناعية في آسيا فإن ذلك سوف يحتاج إلى جهود متواصلة تشمل اتخاذ قرارات معقده تتعلق بالسياسات ومقايضات اقتصاديه مؤلمه.

إن جعل معلومات نوعية الهواء متوفرة للجميع -أي بالأساس دمقرطة البيانات- يسمح للناس بالانخراط بشكل أفضل في مناقشات تتعلق بالتضحيات المقبولة في الصراع ضد التلوث الهوائي، كما أنها ستوفر معلومات أساسية للأبحاث التي نحتاجها بشدة والمتعلقة بالآثار الصحية للأجواء الجديدة الأكثر تلوثا. إن التأثيرات الصحية الكبيرة بالإضافة إلى الفائدة الفورية والمتمثلة في تمكين المواطنين من حماية أنفسهم سوف تحفز حتى أكثر الحكومات التي تعاني من الضائقة المالية للبدء في حملة شفافة لمراقبة نوعية الهواء اليوم.
_______________
* فيزيائي وهو مستشار علمي سابق لسفير الولايات المتحدة الأميركية في اليابان.
** فيزيائي يتمتع بخبرة عالمية تزيد عن عشرين عاما في مجال قضايا الصحة البيئية بما في ذلك التلوث الهوائي.

المصدر : بروجيكت سينديكيت
كلمات مفتاحية:

التعليقات