إن قدرة هذ الجهاز على علاج الإيدز والتهاب الكبد تطرح تساؤلات، فعادة ما يكون العلاج ناجحا إذا كان قادرا على شفاء مرض واحد، أما أن يكون قادرا على شفاء مرضين من أشرس الأمراض التي فتكت بالبشرية فهذا أمر عجاب.

الإعلان عن الجهاز أثار ردود فعل واسعة على الانترنت (الجزيرة)

د. أسامة أبو الرُّب

أثار إعلان القوات المسلحة المصرية عن نجاحها في اختراع جهاز "كومبليت كيور" الذي يشفي متلازمة نقص المناعة المكتسب "الإيدز"، والتهاب الكبد الفيروسي "ج" عاصفة من ردود الفعل، ولكن المعطيات الراشحة حتى الآن وطريقة تقديمها لا تشير إلى معلومات كافية لدعم هذا الادعاء، بل إن الكثير من الملابسات اللافتة تشكك في هذا الادعاء ورواية أصحابه.

أول الأمور اللافتة هي آلية الإعلان عن هذا الكشف، إذ إن الجيش المصري قد سنّ سنة جديدة في الأبحاث الطبية عندما كشف أن اختراع هذا الجهاز تم من قبل الهيئة الهندسية، وهي مقاربة فريدة عادة ما تصبح عندما يكون الاختراع جهازا لبناء الحجر لا لعلاج البشر.

أما ثاني الأمور، فهي أن الاختراع هو جهاز، وليس دواء "Drug"، وعادة ما تستخدم الأجهزة لعلاج الأمراض التي ترتبط بكتل صلبة، مثل سرطان الثدي أو الفم، ويكون الجهاز جراحيا يستأصل كتلة الورم أو إشعاعيا يدمره. أما في حالة الإيدز فهو مرض فيروسي يصيب الخلايا البيضاء التي تسبح في تيار الدم، مما يطرح تساؤلا عن كيفية قضاء الجهاز على الخلايا، فهل هو ينقب عنها بالمنظار أم يتتبعها مثل كاميرا المراقبة؟

الجيش المصري سنّ سنة جديدة عندما كشف أن اختراع هذا الجهاز تم من قبل الهيئة الهندسية، وهي مقاربة فريدة عادة ما تصبح عندما يكون الاختراع جهازا لبناء الحجر لا لعلاج البشر

مسلسل لا ينتهي
ولكن مسلسل المفارقات لا ينتهي هنا، إذ إن القوات المسلحة -وحتى عبر الطبيب الذي استعانت به بعد ساعات ليوضح رواية المهندسين- لم تبين الخطوات العلمية البحثية التي خضع لها العلاج. فأي دواء حتى يتحول من مجرد نظرية إلى علاج يباع في الصيدليات يمر بعشر خطوات، وهي:

  1. وجود معطيات نظرية أو مخبرية كافية لتمويل بدء اختبارات الدواء على الحيوانات، وعادة ما يأتي التمويل والموافقة من مؤسسات بحثية أو شركات أدوية.
  2. إجراء تجارب على الحيوانات، وذلك بإعطائها الدواء بجرعات مختلفة.
  3. بعد ظهور نتائج ناجحة، يتم إرسال طلب يطلق عليه اسم
    "Investigational New Drug Application (IND)"، إذ يطلب فيه الباحثون والمؤسسات البحثية التي تدعمهم بدء عملية اختبار أوسع على الدواء، ويقدم هذا الطلب عادة لإدارة الغذاء والدواء الأميركية في الولايات المتحدة.
  4. دراسة الطلب من قبل إدارة الغذاء والدواء ومجلس مراجعة "local institutional review board (IRB)".
  5. إذا رأت الإدارة والمجلس أن المعطيات الموجودة كافية، فيتم بدء اختبارات يطلق عليها فحوصات المرحلة الأولى "Phase 1 studies" والتي تجرى على متطوعين بشر أصحاء لفحص الآثار الجانبية المحتملة للدواء.
  6. إذا تخطى الدواء فحوص المرحلة الأولى ينتقل إلى اختبارات المرحلة الثانية "Phase 2 studies"، والتي تعالج موضوع فعالية الدواء في علاج المرض الذي يزعم أصحابه أنه يعالج.
  7. إذا تخطى الدواء فحوص المرحلة الثانية، ينتقل إلى فحوص المرحلة الثالثة "Phase 3 studies"، والتي تتضمن أعدادا كبيرة من البشر قد تصل إلى ثلاثة آلاف شخص.
  8. مراجعة نتائج الاختبارات بشكل معمق من قبل إدارة الغذاء والدواء والجهات الداعمة للدواء.
  9. إذا كانت هناك معطيات كافية إيجابية، يتم رفع طلب موافقة على الدواء "New Drug Application (NDA)"، لإدارة الغذاء والدواء.
  10. مراجعة طلب "NDA"، فإما أن تتم الموافقة عليه أو يرفض.
رواية الجيش لم تقدم نتائجها لأية مجلة طبية محترمة ما يلقي بشكوك حقيقية على مصداقية الإعلان وأصحابه
ويبلغ متوسط المدة التي يقضيها أي دواء جديد-أو جهاز- للعبور من المختبر إلى أرفف الصيدليات -إذا نجح- 12 عاما.

شكوك وشكوك
وبناء على ذلك، فإن رواية الجيش المصري لم تبين أيا من هذه التفاصيل السابقة، كما لم تقدم نتائجها لأية مجلة طبية محترمة حتى تنشر فيها، مما يلقي بشكوك حقيقية على مصداقية الإعلان وأصحابه.

وأخيرا، بكل تأكيد فإن قدرة هذ الجهاز على علاج مرضين فريدين مثل الإيدز والتهاب الكبد "ج" تطرح تساؤلات، فعادة ما يكون العلاج ناجحا إذا كان قادرا على شفاء مرض واحد، أما أن يكون قادرا على شفاء مرضين من أشرس الأمراض التي فتكت بالبشرية وأعيت الأطباء والباحثين فهذا أمر عجاب.

المصدر : الجزيرة