في العاصمة الليبيرية مونروفيا توجد المحرقة الوحيدة لجثامين ضحايا إيبولا بالبلاد، إذ يتم حرق جثث الموتى لتقليل احتمال انتشار المرض.

ولكن المحرقة -التي من المفترض أن تحافظ على صحة المجتمع- أصبحت سببا للمرض، إذ يشتكي السكان من دخان حرق الجثث، ومخلفات العمال في المحرقة مثل القفازات وأكياس البلاستيك التي يرمونها بكل إهمال في المنطقة.

وفي حديث لوكالة الأناضول قال ألبرت ريفز -وهو أحد الزعماء المحليين بالحي وتقع المحرقة على مرمى حجر من بيته- إنهم طالبوا الحكومة عدة مرات بإزالة المحرقة من منطقتهم، ولكن يبدو أنها لا تعيرهم اهتماما.

وبعد ما قتل الفيروس حوالي 2697 شخصا في ليبيريا وحدها منذ يونيو/حزيران الماضي حولت الحكومة المحرقة التي تملكها مجموعة هندية إلى موقع لحرق جثث ضحايا فيروس إيبولا، وتقع المحرقة في وسط الحي، ويحيط بها أكثر من خمسمائة منزل.

ووفقا للسكان المحليين الذين تقدر أعدادهم بأكثر من 25 ألف نسمة، تسببت المحرقة في مشكلات خطيرة، إذ تضررت الأشجار القليلة الباقية تماما بسبب النار والدخان الناجم عن حرق الجثث، مما دفع الكثيرين إلى مغادرة المنطقة والانتقال إلى المدينة.

واشتكى ريفز من أن حرق الجثث والأصوات المتفجرة التي تأتي من المحرقة لا تحتمل، فلا تمر ليلة واحدة دون أن يحرق العمال الجثث. وأضاف أن "ما يدعو للخوف بشأن المحرقة هو الانفجارات الضخمة، نحن لا نعرف هل رؤوس الجثث يمكنها أن تنفجر بهذا الشكل، لأنها عندما تنفجر يبدو وكأن هناك زلزالا صغيرا، لأن الأرض كلها تهتز".

عمال يجهزون جثث موتى إيبولا لحرقها (غيتي)

صدمة
وبالقدر نفسه، أعربت كارولين دويلو (30 عاما) -وهي ساكنة محلية أخرى- عن انزعاجها من وجود المحرقة في مجتمعها. وقالت "بالنسبة لي، الأمر يمثل صدمة كبيرة للغاية، فأنا لم يسبق لي رؤية شيء مثل هذا، علاوة على أننا لسنا معتادين على حرق الجثث وسماع صوت جثامين أشقائنا الليبيريين وهي تنفجر مؤلم ومحزن للغاية".

وأضافت أن "كل الروائح المنبعثة من الجثث المحترقة تدخل بيتي، وفي الليل عندما يبدؤون في حرق الجثث يصعب للغاية أن أخلد إلى النوم".

ويعتبر حرق جثث الموتى من الطقوس الغريبة على الثقافة المحلية، لكن قرار الحكومة بحرق جثث المصابين بإيبولا في مونروفيا جاء في أعقاب رفض ومقاومة السكان المحليين السماح بدفن ضحايا الفيروس داخل أو بالقرب من مجتمعاتهم.

كما يعتقد خبراء الصحة أن الحرق هو أحد أكثر السبل أمنا لاحتواء انتشار الفيروس، إلا أن حي بويز تاون هو المكان الوحيد الذي يُجرى فيه الحرق، في حين لا تزال تتولى فرق الدفن الحكومية دفن ضحايا الفيروس في بقية المحافظات الـ15 في البلاد.

تلوث الهواء
ويشكو سكان حي بويز تاون من تلوث الهواء، حيث ينتشر الدخان الناجم عن حرق الجثث في الحي بأكمله، ويسبب الظلام الدامس.

وقال ريفز إن العديد من جدران منازل الحي التي يربو عددها على خمسمائة قد بدأت تنهار بالفعل، فيما يشكو السكان المحليون أيضا من زيادة غير مسبوقة في أعداد الذباب والحشرات التي تجتذبها الجثث، مضيفا "نحن نأكل ونتعشى مع الذباب، والمدينة لم تشهد من قبل مثل هذه الأعداد الكبيرة من الذباب".

الدخان الناجم عن حرق الجثث ينتشر في حي بويز تاون بأكمله (غيتي)

ويشكو سكان الحي أيضا من إهمال فرق دفن إيبولا في إجراءات التخلص من المخلفات، مما يمكن أن يؤدي إلى تفشي الفيروس القاتل في منطقتهم.

وأعرب ريفز عن أسفه لأن أكثر الأمور المخيبة للآمال بشأن هذه المحرقة هو إهمال فريق إيبولا، متابعا أن "القفازات وأكياس البلاستيك وحتى واقيات الأنف التي يستخدمونها يتم رميها في كل مكان، ونحن لدينا أطفال، ويمكن للأطفال أن ينظروا لهذه الأشياء مثل اللعب ويلتقطونها، وهو أمر محفوف بالمخاطر للغاية بالنسبة لنا، لأنهم ربما يصابون بعدوى إيبولا".

ومنذ ظهور فيروس إيبولا في البلاد لم يسجل حي بويز تاون أي حالات إصابة بالعدوى، وهي الميزة التي يرغب المجتمع السكاني في الحفاظ عليها.

مناقشات
من جانبها، أقرت وكالة حماية البيئة في البلاد بمخاوف سكان الحي، وأشارت إلى أن ثمة مناقشات جارية مع الحكومة بشأن نقل المحرقة. وقالت رئيسة الوكالة أيا فوهيري في حديث لوكالة الأناضول "لقد زرنا الحي بعد أن كتبوا لنا، واشتكوا لنا من الدخان والأصوات التي تنتج أثناء عملية الحرق".

وبينما لم تتحدث المسؤولة عن الآثار البيئية التي ربما يسببها الوضع الحالي للسكان والمجتمع نتيجة المحرقة، أشارت إلى أن ثمة مناقشات تُجرى مع جميع أجهزة الحكومة الضرورية لنقلها.

السكان يشتكون من زيادة غير مسبوقة في أعداد الذباب والحشرات التي تجتذبها الجثث (غيتي)

وأوضحت أنه منذ بداية أزمة إيبولا أوصت وكالتها بحرق جثث الضحايا، ولكن لم يتم استشارتها قط بشأن الموقع الدقيق للمحرقة التي قالت إنه كان من شأنه أن يجنب حي بويز تاون المشكلات التي يشهدها الآن.

فيروس قاتل
وقالت فوهيري إنهم يعملون مع الشركاء الآخرين للمساعدة على تحديد موقع بديل مناسب للمحرقة، غير أنه يبقى من غير الواضح متى سيتم اتخاذ مثل هذا القرار في الوقت الذي ينفد فيه صبر سكان الحي.

وإيبولا من الفيروسات القاتلة، إذ تصل نسبة الوفيات من بين المصابين به إلى 90% جراء نزيف الدم المتواصل من جميع مخارج الجسم.

وبدأت الموجة الحالية من الإصابات بالفيروس في غينيا في ديسمبر/كانون الأول الماضي قبل أن تمتد إلى ليبيريا ونيجيريا وسيراليون والسنغال والكونغو الديمقراطية، ومؤخرا وصل إلى إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة ومالي، وفقد قرابة خمسة آلاف شخص حياتهم نتيجة المرض.

المصدر : وكالة الأناضول