ضغوط الحياة والبطالة من أسباب الإصابة بالاكتئاب (الجزيرة)
عزت شحرور-بكين

لم يعد مجرد شعور أو حالة مؤقتة تعتري فردا أو مجموعة أفراد وسرعان ما تزول، ولم يعد بالإمكان إخفاؤه أو تجاهله أو تركه دون علاج. فقد أصبح الاكتئاب ظاهرة مرضية تتفشى في المجتمع الصيني -خاصة لدى شريحة الشباب- وتؤدي لدى الكثيرين إلى أمراض أخرى، وربما أكثر.

فقد يقود الاكتئاب إلى الموت أو الانتحار، وهذا ما حدث مع طالبة جامعية في مدينة نانجين جنوب الصين التي كتبت على أحد مواقع التواصل الاجتماعي قبل أن تضع حدا لحياتها: "إنني كئيبة ومحبطة.. لا معنى للحياة بعد الآن.. وداعا..".

ووفق إحصاءات صحية رسمية، فإن أعداد المصابين بالاكتئاب في الصين تجاوز ثلاثين مليون شخص، وبات يعتبر ثاني أكثر الأمراض المشخصة في البلاد شيوعا بعد مرض السرطان، ويكلف خزينة الدولة نحو تسعة مليارات دولار في العام.

شريحة الشباب هي الأكثر إصابة بالاكتئاب (الجزيرة)

الأرقام أكبر
ويرى خبراء أن الأرقام الحقيقية للمصابين تتجاوز بكثير الأرقام المعلنة، باعتبار أن نسبة الوعي بالمرض وأعراضه لدى معظم الناس العاديين لا تزال دون المستويات المطلوبة وتحول دون توجههم إلى الأخصائيين طلبا للتشخيص والعلاج. كما أن بعض العادات والتقاليد الاجتماعية في مجتمع تقليدي كالصين تمنع المصابين من التوجه إلى الطبيب  لطلب يد العون.

لكن الأخطر من ذلك وفق رأي الخبراء هو أنه حتى أولئك الذين تم تشخيصهم فإنهم يجدون صعوبة بالغة في الحصول على العلاج الصحيح، بسبب محدودية نسبة وخبرة الأطباء والمختصين النفسيين. فالمستشفيات الصينية تخلو من أقسام خاصة بالطب النفسي، وعلى المريض مراجعة أقسام الأمراض العصبية باعتبار أن القانون الصيني لا يعترف بمهنة "طبيب نفسي" ويسميه استشاريا نفسيا، وعادة فإن هؤلاء الاستشاريين النفسيين لا يتمتعون بالخبرة الكافية ولا يخضعون لتدريبات أكاديمية.

وتؤدي قلة الأدوية ووسائل العلاج المتاحة وارتفاع أسعارها -بالإضافة إلى أن صناديق الرعاية والتأمين الصحي لا تغطي نفقات علاج مثل هذه الأمراض- إلى إحجام المصابين بالاكتئاب عن العلاج. وتشهد أسعار العقاقير المضادة للاكتئاب ارتفاعا حادا نظرا لزيادة الطلب عليها، وتجاوزت مبيعاتها أربعمائة مليون دولار، مما دفع الكثير من المصابين بالاكتئاب إلى التوجه نحو الطب البديل كالوخز بالإبر الصينية، لكنها لم تسجل حتى الآن نجاحات تذكر.

ارتفاع أسعار أدوية الاكتئاب يؤدي إلى الإحجام عن شرائها (الجزيرة)

أخطر من الحوادث
وتشير تقارير رسمية أن نسبة الوفيات الناجمة عن الانتحار من المصابين بمرض الاكتئاب قد تجاوزت نسبة ضحايا حوادث الطرق، ووصلت إلى نحو 250 ألف قتيل في العام، أي بمعدل قتيل واحد كل ثلاث دقائق، ليتربع مرض الاكتئاب كخامس مسبب للوفاة في الصين. وتتراوح الشريحة العمرية لمن يقدمون على الانتحار بسبب الاكتئاب بين سن 15 إلى 34 من العمر، ربعهم من العاطلين عن العمل.

وتقول الاستشارية النفسية جيان لي لي، إن أسباب ازدياد أعداد المصابين بمرض الاكتئاب في الصين تعود إلى ضغوط الحياة وإرهاق العمل وازدياد نسبة البطالة، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة في المجتمع الصيني.

وتضيف الخبيرة النفسية -في تصريح للجزيرة نت- أن ارتفاع نسبة المصابين يرجع أيضا إلى زيادة الوعي بالمرض لدى المواطنين الذين لم يكونوا في السابق يعلمون أنهم مصابون بمرض الاكتئاب. ولهذا فإن زيادة نسبة الإصابة بالمرض ليست سلبية بالمطلق فهي تؤدي أيضا إلى زيادة المعرفة بالمرض، وبالتالي سهولة إيجاد السبل لعلاجه كما ترى الخبيرة النفسية.

الاكتئاب يكلف خزينة الصين نحو تسعة مليارات دولار سنويا (الجزيرة)

خطوط ساخنة
ولمواجهة هذا القاتل الصامت، قامت السلطات الصينية مؤخرا بإنشاء خطوط ساخنة في ست مقاطعات صينية لاستقبال اتصالات الذين يفكرون بالانتحار، وذلك لمحاولة إنقاذ حياتهم من خلال مختصين نفسيين يحاولون ثنيهم عن الانتحار، وتخطط السلطات لنشر مثل هذه الخطوط في جميع المقاطعات والمدن الصينية خلال العام الحالي.

ولاحظت هذه المكاتب أن شهر فبراير/شباط الذي يصادف عادة عيد رأس السنة الصينية هو الأقل تبليغا من حيث أعداد الذين يقدمون على الانتحار، وأن يوم الأحد -وهو يوم العطلة الرسمية- هو الأقل خلال أيام الأسبوع. مما يرجح أن الشعور بالوحدة هو سبب مباشر في ارتفاع نسبة الشعور بالاكتئاب إلى أعلى مستوياتها.

المصدر : الجزيرة