جوزيف جيمينيز

تتغير الاحتياجات الصحية للعالم بشكل دراماتيكي، وتضيف الاتجاهات الديمغرافية والتحول في أنماط الأمراض والتمويل الحكومي الضعيف أعباء جديدة على أنظمة الرعاية الصحية. ولا يمكن -سواء في الدول المتقدمة أو النامية- تلبية المتطلبات الجديدة إذا استمرت الرعاية الصحية في العمل بنفس الطريقة، فما نحتاجه هو نماذج جديدة للإدارة تعمل على توزيع المخاطر وتتبنى رؤية أكثر شمولا للصحة وتتعامل مع احتياجات أفقر فئات البشر في أرجاء العالم.

وتشكل التغيرات الديمغرافية تحديات كبيرة للتخطيط الصحي الطويل المدى في بلدان العالم، فبحلول عام 2050 سيتجاوز عدد الأشخاص فوق سن الستين عدد الأطفال دون الـ15 عاما. كما أن ثلاثة مليارات شخص إضافي سينضمون إلى الطبقة الوسطى العالمية في العقدين القادمين، مما سيغيّر من أنواع المسائل الصحية التي تواجه البلدان وكيفية تمويل الرعاية الصحية.

وفي الوقت نفسه فإن الأمراض غير المعدية مثل السرطان وأمراض القلب والسكري في ارتفاع، كما أن الأمراض التي كانت تعتبر قاتلة في السابق مثل مرض "الإيدز" أصبحت أكثر قابلية للعلاج بحيث أصبحت تعتبر من الأمراض المزمنة.

بحلول العام 2050 سيتجاوز عدد سكان العالم فوق سن الستين عددَ الأطفال دون الـ15 عاما

الاقتصاد العالمي الراكد
إن مواكبة تلك التغيرات مسألة صعبة في أفضل الأوقات، ولكن الاقتصاد العالمي الراكد يؤثر سلبا على موازنات الرعاية الصحية بحيث أصبحت قريبة من الانهيار. والحكومات وشركات التأمين وغيرها من الجهات التي تمول الرعاية الصحية أصبحت تشعر بقلق أكبر فيما يتعلق بإيجاد قيمة للنقود المدفوعة، وعليه فقد أصبح صناع السياسات والشركات الدوائية يبحثون عن طرق مبتكرة للتخفيف من تلك الضغوط، وهذا لا يتأتى فقط عبر تطوير أدوية جديدة، ولكن أيضا عبر إعادة التفكير في كيفية عمل الصناعة بشكل عام.

إن شركتي نوفارتيس اختبرت ثلاثة نماذج للإدارة أظهرت نتائج مشجعة. أحد تلك النماذج يتضمن توزيع المخاطر بحيث يدفع المستخدم قيمة الدواء فقط لو أثبت الدواء نجاعته، أما إذا لم يثبت نجاعته فتعيد الشركة ثمن الدواء.

لقد استخدمنا برامج توزيع المخاطر في ألمانيا حيث نتعاون مع جهتين من الجهات الممولة فيما يتعلق بتسعير عقار "أكلاستا" الذي يستخدم في علاج هشاشة العظام، فلو عانى المريض من كسر في العظام بعد العلاج -مما يعني أن العقار لم يكن له مفعول- فإن شركة نوفارتيس ستعيد ثمنه.

إن الجهة الممولة تستفيد من هذا النظام لأن توزيع المخاطر يقلل من تكلفة الفشل، كما أن الشركة الدوائية تستفيد كذلك لأن الضمان الفعال يعزز من ثقة الناس في منتجاتها.

صعوبات
وهناك عوامل تحُدّ من فعالية نموذج توزيع المخاطر، فبعض الجهات الممولة تجد النظام معقدا للغاية، وخاصة عندما تحاول تحديد ماهية النتائج الناجحة والانتظار لفترة طويلة من أجل استعادة المبالغ. ومهما يكن من أمر فإن توزيع المخاطر نقطة بداية جيدة يمكن استخدامها كنقطة انطلاق من أجل تطوير نموذج للإدارة أكثر عدلا وفعالية والذي يمكن إعادة النظر فيه أو تبسيطه مع مرور الوقت.

شركة نوفارتيس اختبرت ثلاثة نماذج للإدارة أظهرت نتائج مشجعة، وأحدها يتضمن توزيع المخاطر بحيث يدفع المستخدم قيمة الدواء فقط لو أثبت الدواء نجاعته، وإلا تعيد الشركة ثمنه للمريض

نموذج الإدارة الثاني يجمع المرضى والجهات الممولة والعاملين في الصحة العامة من أجل توفير برنامج متكامل من أجل تكملة العلاج لمرض معين، ففي البرازيل على سبيل المثال يستخدم برنامجُنا -واسمه "فالي ماي ساود"- هذه المقاربة في علاج مرض الانسداد الرئوي المزمن، وهو مرض رئوي مميت يتوقع أن يصبح ثالث أكبر مرض مميت بحلول العام 2030.

وبالإضافة إلى توفير عقار "أونبريز بريزهالير" وهو علاج يومي لتحسين وضع الرئة عند مرضى الانسداد الرئوي، يوفر البرنامج حزمة علاج شاملة تغطي جميع الأعراض، إذ بإمكان المرضى تلقي لقاحات إنفلونزا مخفضة وعلاجات بديلة والمساعدة في جلسات إعادة التأهيل الرئوي، فضلا عن معلومات صحية تُرسَل إلى منازلهم. إن هذه التدخلات تخفف من الأعراض وتمنع الأمراض الأخرى من جعل تلك الأعراض تتفاقم، وتساعد المرضى في الاستمرار في نشاطاتهم اليومية الطبيعية.

لكن الدول الأفقر التي يوجد بها أنظمة رعاية صحية أقل تطورا وبنية تحتية أضعف، هي في واقع الأمر أكثر الدول احتياجا إلى نماذج إدارة جديدة. ففي الماضي كان العطاء الاجتماعي للشركات من العوامل المساعدة للغاية، ولكن هذه المقاربة لا يمكن استدامتها أو توسيعها. ولو أرادت الشركات أن تُحدث فرقا كبيرا، يتوجب عليها إيجاد أساليب للعمل مع أنظمة الرعاية الصحية الحالية على المدى الطويل.

المشاريع الاجتماعية
إن أحد الطرق لعمل ذلك هو المشاريع الاجتماعية، فعلى سبيل المثال يصل برنامج "أروجايا باريفار" (العائلة الصحية) إلى ملايين الهنود الفقراء، وهو قائم على أساس أربعة مبادئ هي التوعية والقبول والتوفير والتأقلم.

مع وجود تفكير إبداعي يمكننا تلبية الاحتياجات الصحية المتغيرة للعالم

ويزيد هذا البرنامج من الوعي العام بالقضايا الصحية عبر تدريب المعلمين على تدريس الوقاية من الأمراض وكيفية معالجتها في القرى، مما ساعد قرابة 2.5 مليون شخص من القرويين عام 2012 وحدها.

ويصل البرنامج إلى أكثر من 45 ألفا من الأطباء المحليين عبر شبكة تضم تسعين من الموزعين الطبيين بحيث يتحقق من توفر الأدوية في 28 ألف صيدلية في المناطق النائية بالهند. ومن أجل التحقق من قدرة الناس على شراء تلك الأدوية وخاصة أولئك الذين يتقاضون أجورا يومية، أصبحنا نبيع جرعات أصغر وبدون وصفة طبية. إن هذا البرنامج مرن بحيث يتم تطويع الأدوية والتغليف والتدريب طبقا للاحتياجات الصحية والثقافية المختلفة للمجتمعات المتنوعة في الهند.

إن هذه الأمثلة الثلاثة تظهر أنه مع وجود تفكير إبداعي يمكننا تلبية الاحتياجات الصحية المتغيرة للعالم، فالشركات الدوائية تفعل ما باستطاعتها ولكنها بحاجة إلى المساعدة. إن العامل الأهم هو أن الحكومات والجهات الممولة والأطباء يجب أن يتحدوا من أجل اختبار ودعم وتقديم أفضل الأفكار وأكثرها توفيرا للأموال، وفي تلك الحالة فقط يمكننا تحسين صحة جميع الناس، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، وبغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه.
------------------
* الرئيس التنفيذي لشركة نوفارتيس

المصدر : بروجيكت سينديكيت