جنون البقر يعرف أيضا باسم "الشكل الإسفنجي لاعتلال المخ لدى البقر" (دويتشه فيلله)
حصل باحثان سويسريان على جائزة تقديرا لأبحاثهما بشأن مسببات مرض جنون البقر، إذ توصلا إلى أن الإصابة بهذا المرض الذي يصيب الأعصاب يعود إلى بروتينات مُعدية لا تجدي معها حتى وسائل التعقيم، ويطلق عليها اسم "البريونات".

فالأمراض لا تسببها الفيروسات والبكتيريا فقط وإنما تنشأ أحيانا من بروتينات مشكلة خطرا على الناس، وذلك رغم أن هذه البروتينات لا تشكل إلا جزيئات هامدة ليس بها معلومات جينية خاصة بها.
 
وكل إنسان يحمل في ذاته تلك البروتينات المسببة لمرض جنون البقر لدى الماشية أو لمرض "كروتزفيلد جاكوب" لدى الإنسان. ويطلق على هذه البروتينات اسم "البريونات" وهي غير مؤذية في الحقيقة، لكن بإمكانها تغيير شكلها بحيث تصبح مسببة للمرض أعلاه من خلال تراكمها ككتل في الخلايا العصبية.
 
أدريانو أغوزي (يمين) وتشارلز وايسمان باحثان رائدان في مجال البريونات (دويتشه فيلله)
والخطر الداهم هو أن هذه البريونات تنتقل من خلية لأخرى، فتدفع ببروتينات أخرى من نفس نوعها إلى قبول الشكل المتحول الذي يسبب المرض، وبذلك تنتشر هذه البريونات متسببة في إحداث تلف في خلايا المخ، مما يؤدي إلى موتها.
 
بروتين
وقد عثر العلماء على البريونات لأول مرة في ثمانينيات القرن الماضي في إطار أبحاث مرض "الشكل الإسفنجي لاعتلال المخ لدى البقر" المعروف عامة بـ"جنون البقر". إذ افترض لأول مرة ستانلي بروزنير، الحائز على جائزة نوبل لاحقا، أن سبب المرض يعود إلى بروتين.
 
وفي وقت لاحق أكد العالم السويسري تشارلز فايسمان -الذي يعمل في معهد سكريبس للأبحاث في ولاية فلوريدا- أن هذه الفرضية صحيحة بشكل تطبيقي. الذي يقول إن البروتين موجود عادة في مخ الإنسان، ومضيفا أن مسبب المرض من إنتاج الجسم نفسه.
 
من هنا فإن إمكانية الإصابة بمرض "كروتزفيلد جاكوب" موجودة لدى كل إنسان، غير أن تحول البروتينات بشكل عفوي إلى الشكل المسبب للمرض هي حالة لا تحدث إلا نادرا. وعموما فلا بد من وجود مسبب قادم من خارج الجسم لكي ينشط هذه العدوى.

ويأتي المسبب من لحم أبقار كانت مصابة بجنون البقر. واكتشف أدريانو أغوزي من جامعة زيورخ أن البروتينات المتحولة في اللحم المصاب تصل إلى الجهاز العصبي للإنسان عن طريق الأمعاء والجهاز الليمفاوي. وحسب شكل البروتين فإن أعراض المرض تظهر إما في صورة اكتئاب أو خرف أو فقدان للسيطرة على الجسم.
 
ومن أجل ذلك تم تتويج كل من تشارلز فايسمان وأدريانو أغوزي يوم الثلاثاء الماضي بجائزة هارتفيغ بيبنبروك -دي زد إن إي- وتبلغ قيمتها أكثر من مائة ألف يورو، وتمنح كل عامين من قبل المركز الألماني لأمراض الأعصاب.

مواد التعقيم وحدها لا تقضي على البريونات (دويتشه فيلله)
أشد مقاومة
والبريونات أشد مقاومة من الفيروسات والبكتيريا، فهي تبقى عالقة بالأدوات الجراحية والمواد الطبية الأخرى مسببة العدوى حتى عندما يقوم الأطباء بمسح سطح تلك الأدوات بالمطهر شديد الأثر، الفورمالديهايد.
 
ويقول فايسمان إن هناك حوالي مائة حالة انتقلت فيها عدوى البريونات للمرضى بعد تدخلات طبية، لأن الأطباء لم يعرفوا آنذاك ما هو المسبب وكيف يمكن تعطيل انتقاله.
 
وذكر فايسمان حالة أحد المرضى الذي كان يعاني من بريونات مرض "كروتزفيلد جاكوب"، حيث قام الأطباء باستخدام قطب كهربائي في مخه. وبعد إخراج القطب تم تطهيره بمادة الفورمالديهايد، وعندما استخدم القطب في عملية لمريضة أخرى، أصيبت هذه بمرض "كروتزفيلد جاكوب" في وقت لاحق وتوفيت.
 
وأكد تشارلز فايسمان في إطار بحثه، أن التطهير بالفورمالديهايد وحده ليس كافيا للقضاء على مسبب المرض. فمن الصعب جدا إبطال نشاط مسبب المرض، إذ يجب وضعه لمدة عشرين دقيقة في حرارة 130 درجة مئوية لكي تحدث عملية التعقيم فعلا. مشيرا إلى أن التخلص من الفيروسات والبكتيريا هو عملية أسهل من ذلك بكثير.
 
ويعترف فايسمان بضرورة العمل والبحث عن دواء لهذا المرض القاتل، فحاليا يكون دائما الموت هو نهاية المصابين به، والأطباء عاجزون.
 
ومنذ عام 2000 انخفض عدد المصابين بهذا المرض في الاتحاد الأوروبي باستمرار، ويعود السبب في هذا التراجع إلى أن العلماء يعرفون الآن الكثيرعن مسبب المرض بشكل أكبر مقارنة بمعرفتهم قبل عقدين من الزمن. وفي ذلك ساعد الباحثان تشارلز وايسمان وأدريانو أغوزي بشكل أساسي.

المصدر : دويتشه فيلله