الناس بالدول النامية يصعب عليهم شراء بعض الأدوية مثل عقاقير "الإيدز" (دويتشه فيلله)
توجد هناك أدوية فعالة ضد العديد من الأمراض، إلا أن انخفاض القدرة الشرائية للكثير من الناس في البلدان النامية يجعل شراء بعض الأدوية أمرا مستحيلا، ولكن هذا لا يعني أن خفض الأسعار هو الحل المثالي. 

وعادة ما تصبح العقاقير والأدوية أرخص ثمنا بمجرد انتهاء صلاحية براءات الاختراع. وهو ما يعني السماح للشركات الصيدلانية الأخرى بتصنيع وبيع نفس الدواء تحت اسم مختلف.
 
وفي نفس الوقت يشيرالخبراء إلى أن بيع الأدوية بأسعار رخيصة قد تكون له انعكاسات سلبية أيضا. وبهذا الصدد تقول أستاذة الطب بكلية هارفرد الطبية في بوسطن بالولايات المتحدة أنيتا كاتارينا فاغنر إن شركات الأدوية عليها أيضا أن تحقق أرباحا من أجل تطوير أدوية جديدة.
 
ومن جهتها تؤكد شركات الأدوية، مثل سانوفي، أنها تقوم بطرح الأدوية بأسواق البلدان النامية بأقل سعر ممكن، في حين يتم بيع نفس الأدوية بأوروبا والولايات المتحدة بأسعار مرتفعة. ويشرح فرانسوا بومبارت من شركة سانوفي ذلك بالمثال التالي، بأن نفس اللقاح مثلا يتم بيعه بالولايات المتحدة وأوروبا بمبلغ خمسين يورو (67.5 دولارا) في حين لا يتعدى ثمنه بأفريقيا ثلاثة أو أربعة يوروهات (أربعة أو 5.4 دولارات) وفي الدول المتوسطة الدخل مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وتايلند يتراوح ثمنه ما بين عشرة وعشرين يورو (13.5 و27 دولارا).
أسعار الأدوية تختلف من بلد لآخر (دويتشه فيلله)

أمر منطقي
وتعتبر جو كوتسن من منظمة الصحة العالمية أن هذا الاختلاف بالأسعار منطقي، مشيرة إلى أن ذلك أمر ضروري وخاصة بالنسبة للأدوية المكلفة جدا مثل أدوية فيروس نقص المناعة البشرية "إيدز" والعقاقير المضادة للسرطان.

غير أن هذا النظام المتبع أثبت فشله فيما يتعلق مثلا بالأمراض الاستوائية التي تؤثر فقط على الفقراء بالبلدان ذات الدخل المنخفض. ويبقى السبيل الوحيد لتطوير وإنتاج الأدوية "المنقذة للحياة" ضد هذه الأمراض هو إقامة شراكات بين المنظمات غير الحكومية والحكومات وشركات الأدوية.
 
فبالنسبة لمرض الملاريا، على سبيل المثال، تتعاون شركة غلاكسو سميث كلاين مع 11 مركزا للبحوث الأفريقية من أجل إنتاج اللقاح المناسب. كما يحظى هذا المشروع بدعم مالي من مؤسسة بيل وميليندا غيتس.
 
ورغم تحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية والأدوية تبقى هناك حاجة ملحة لنظم تمويل جديدة وجيدة، على حد تعبير كوستن التي تضيف أنه يجب ألا يكون الجانب المادي عقبة أمام استفادة الفقراء من الرعاية الصحية، وينبغي ألا يضطر المريض للاختيار بين حالته المادية والصحية.
 
ويضيف رئيس قسم الصحة والتغذية والسكان بالبنك الدولي تيم إيفانز، في نفس الصدد، بأن هناك عدة طرق للتمويل، من بينها التأمين الصحي أو فرض ضرائب على السجائر والخمور، مما قد يساهم في رفع عائدات صندوق الصحة.

التكوين المهني الجيد له دور مهم في النهوض بالقطاع الصحي بالدول النامية (دويتشه فيلله)
تجربة الهند
وفي الهند مثلا قامت الجمعية الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) بدعم الحكومة في وضع نظام مالي يسمح للعائلات الفقيرة بالاستفادة من الرعاية الصحية المجانية بالمستشفيات الهندية، إذ تقوم الحكومة بدفع ما يصل إلى ثلاثين ألف روبية (460 دولارا) في السنة لكل مريض.
 
ومن أجل تسهيل هذه العملية قامت الحكومة الهندية بتوفير بطاقات إلكترونية ذكية للأسر الفقيرة، تسمح لهم بالاستفادة من الخدمة الصحية. وقد أثبت هذا البرنامج الذي بدأ العمل به منذ 2008 نجاحا كبيرا.

وعندما تتجاوز تكاليف العلاج ثلاثين ألف روبية يجب على الأسر تغطية التكاليف الإضافية. ويقول نيشانت جاين من مصلحة الضمان الاجتماعي لبرنامج GIZ إن اختيار سقف تكاليف منخفض متعمد، وذلك حتى يستفيد أكبر عدد من العائلات، مضيفا أنه قد يظهر وكأنه قليل، ولكنه كاف "فقد كان لدينا حتى الآن خمسة ملايين حالة مرضية. وأقل من 2% فقط تجاوزوا الحد الأقصى للمساعدات.
 
ويعتقد جاين أن تحسين النظام الصحي للبلد يجب أن يعتمد على سياسة صحية شاملة. فقبل بدء البرنامج بالهند مثلا كان هناك عدد قليل جدا من المستشفيات بالقرى والمناطق الريفية والفقيرة. ولكن بعد العمل بنظام البطاقة الذكية فتحت الكثير من المستشفيات الخاصة أبوابها بهذه المناطق.

العامل البشري
ومن جانب آخر، يرى بومبارت من شركة سانوفي، أن الأدوية تشكل جزء هاما بالرعاية الصحية، لكنها في كثير من الأحيان ليست الجزء الأكثر أهمية، مضيفا أن هناك حاجة لممرضين وأطباء وأخصائيين جيدين "فالأدوية دون تكوين مهني جيد لا معنى لها". 

حكومة الهند تعمل منذ 2008 بنظام صحي جديد يساعد الفقراء (دويتشه فيلله)
ويضرب بومبارت مثالا على مرض الصرع، وهو مرض مزمن يصيب الجهاز العصبي لحوالي خسمين مليون شخص بجميع أنحاء العالم، 90% منهم يعيشون بالبلدان النامية.
 
فرغم توفر العديد من الأدوية التي تساعد على التخفيف من هذه النوبات، فإن ثلاثة أرباع من مجموع مرضى الصرع بالبلدان النامية لا يحصلون على العلاج الذي يحتاجونه، وذلك وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.

ويضيف بومبارت، في نفس السياق، بأن مشاكل علاج الصرع بالوقت الحالي لا تكمن في الأدوية الباهظة الثمن، بل في أنه لا يتم تشخيص المرض بشكل صحيح.
 
ففي بعض الثقافات، يعتقد الناس أن مرضى الصرع يسكنهم الجن أو الشيطان أو غير ذلك من الاعتقادات السائدة. بالإضافة إلى ذلك فإن الكثير من الأسر يجدون أنفسهم محرجين عند إصابة أحد أفرادها بهذا المرض، إذ يقومون بإخفائه بدلا من الذهاب به إلى الطبيب. ولهذا تهدف برامج المساعدة أيضا لمكافحة هذه الاعتقادات الخاطئة وتوعية الناس بأن الصرع مرض مثل جميع الأمراض يحتاج الرعاية والعلاج المناسب.
 
ولهذا يرى بومبارت أن التكوين المهني الجيد خطوة أساسية، وذلك حتى يتمكن المرضى من الحصول على الأدوية والعلاج المناسب ليصبحوا بعدها بصحة جيدة.

المصدر : دويتشه فيلله