عندما يطلق التلفزيون الرصاص
آخر تحديث: 2013/8/20 الساعة 13:44 (مكة المكرمة) الموافق 1434/10/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/8/20 الساعة 13:44 (مكة المكرمة) الموافق 1434/10/14 هـ

عندما يطلق التلفزيون الرصاص

المشكلة لا تقتصر على مشاهد العنف بل تشمل طريقة تقديمها الاحتفالية (رويترز)

د. أسامة أبو الرب

منذ اختراع التلفزيون ودخوله إلى المنازل في عشرينيات القرن الماضي خضع هذا الصندوق الصغير للكثير من الدراسات التي ناقشت أثره على المشاهد الفرد -صغيرا كان أو كبيرا- وعلى المجتمع بعقله الجمعي وسلوكه التفاعلي. وفيما يقترب عمر التلفزيون من قرن، فإن الأحداث التي وقعت في مصر ومجازر رابعة والنهضة يجب أن تطلق عهدا جديدا من الدراسات المتعلقة بالتلفزيون.

وعمد الباحثون خلال العقود الماضية إلى دراسة أثر التلفزيون والكيفية التي يؤثر بها على دماغ الشخص، وبرزت هذه الدراسات بشكل أوضح مع ازدياد اقتناء الأسر للتلفزيون في الخمسينيات من القرن الماضي، إذ تحول من مجرد صندوق يصدر الصوت ويقدم لمن حوله صورة إلى مصدر أساسي للمعرفة والأخبار، بالإضافة للدعاية والتسويق، وبالتالي الربح والمال.

ولإدراكهم مدى تأثيره حاول المتخصصون استخدام التلفزيون لإحداث تغييرات إيجابية معينة في المجتمع. ولعل تجربة البرنامج الأميركي "شارع سمسم" في بداية سبعينيات القرن الماضي تعد خير مثال على ذلك، إذ هدف واضعوه إلى تقديم خبرة تعليمية متميزة للطلاب الفقراء في الأحياء المعدمة في الولايات المتحدة، والذين تنخفض لديهم مستويات التعليم في المدارس التي يرتادونها، في محاولة لإلحاقهم بمستوى أقرانهم من أطفال أبناء الطبقات الاجتماعية الأفضل.

المشاهد يتم غمره بصور الدماء (الأوروبية)

نتائج عكسية
وبالرغم من الحملة الدعائية الكبيرة التي أطلق عبرها شارع سمسم، فإن مراجعة لنتائج الطلاب الذين شاهدوه أجريت في عام 1975 أظهرت نتائج مخيبة للآمال، إذ لم يظهر الطلاب مكاسب ملحوظة في المهارات اللفظية، بل إن دراسات لاحقة وجدت أن مشاهدة التلفزيون ترتبط بتراجع في القدرة على التخيل واللعب لدى الأطفال. وهو أمر أظهر أن برنامجا هادفا مثل شارع سمسم قد لا يفشل فحسب، بل يأتي بنتائج عكسية، فكيف إذا كانت المادة المبثوثة تحمل مشاهد سلبية كمشاهد العنف والقتل والحرق.

وشملت الدراسات التلفزيونية أثر التلفزيون على الوضع الصحي للشخص، كإصابته بالبدانة والاكتئاب والقلق والأمراض المزمنة، ودوره في السلوك غير الملائم والعنف الأسري والمجتمعي. وهنا أيضا برزت آراء لخبراء أكدت أن مشاهدة التلفزيون بحد ذاتها تقود إلى سلوك عنيف لدى الشخص حتى لوكان ما يشاهده قوس قزح بألوانه الزاهية.

ولكن الموضوع الذي لم يتم بحثه حتى الآن هو العنف التلفزيوني الذي تقدمه الفضائيات في جو احتفالي، كما يحدث في مصر الآن، إذ يتم غمر المشاهد بصور لإطلاق الرصاص وضرب المحتجين وجثثهم المحروقة في طقوس احتفالية، يختلط فيها التبرير بالشماتة، بينما يندفع بعض المشاهدين إلى شعور من الإثارة بنفس الطريقة التي يتحفز بها القرش عندما يشم رائحة الدم.

وسيلة للاحتفاء
وهنا يظهر التلفزيون ليس كمجرد ناقل للعنف، بل كوسيلة للاحتفاء به، في سلوك يشبه احتفال أفراد القبائل البدائية بتقديم القرابين المذبوحة إلى الآلهة أو الأرواح، ويظهر ذلك من التعليقات التي يقولها المذيع والتي تأتي مع خلفية من التشجيع والفرح يبديه ضيوفه في الأستوديو. مشهد يجب أن يدرسه أخصائيو علم النفس وعلماء السلوك والأطباء النفسيون، خاصة عندما تفوح منه رائحة التشفي كما تفوح رائحة الموت من الميادين التي قتل من فيها ثم أحرقوا على الملأ.

ما هي ردة فعل الضحايا النفسية تجاه تمجيد القاتل والاحتفاء به، بل ومطالبتهم بالانضمام إلى جوقة الفرح! (الأوروبية)

كما أن الدراسات المستقبلية يجب أن تشمل شعور الضحايا وردة فعلهم تجاه ما يرونه من تمجيد لقاتلهم واحتفاء به، بل ومطالبته لهم بالانضمام إلى جوقة الفرح! وما هو الأثر الذي يتركه على مفاهيمهم ومشاعرهم، وتعرضهم للأمراض النفسية كالاكتئاب والهلع و"الفوبيا".

وكان باحثون قد وصفوا انغماس المشاهد التلفزيوني في تجربته بأنه يشبه غيابا عن الوعي يحول الشخص إلى  كائن آلي، لا يفقه ما أمامه ولكنه يتفاعل معه بآلية، فتراه يصفق للمشهد حتى لو كان غريبا أو بشعا أو سخيفا. وهذه النقطة قد تشكل مكانا مناسبا للبحث، وهي كيف يحول هذا الإعلام -الذي يحتفل بموت المعارض- الأشخاص الذين يشاهدونه إلى هذا السلوك الذي يتجلى بالفرح والابتهاج لرؤية دماء الضحية وهي تتطاير.

سوف يدخل التلفزيون عصرا جديدا بعد مجازر ميادين مصر، وفيه يتحول من مجرد صندوق ترفيهي إلى أوركسترا ضخمة تصدح بالسيمفونيات التي تبتهج بتحويل الضحايا من أحياء إلى أموات، فيما يتحول آخرون إلى ظاهرة إنسانية وسلوكية فريدة من الاحتفاء بالموت والقتل. وبذلك يصبح التلفزيون أشد عنفا وإماتة ممن يضغط الزناد.

المصدر : الجزيرة